مقالات الكتاب

الروبوت يتسول

هل سيأتي يومٌ تتسول فيه الروبوتات؟ قد يبدو السؤال غريبًا، بل أقرب إلى الخيال؛ لكن وصلتني صورة لروبوت شبيه بالإنسان يجلس على رصيف في أحد شوارع الصين، وكأنه يطلب المساعدة؛ كانت كافية لتدفعني إلى التفكير في مستقبل لم نعتد أن نتخيله. فنحن ننظر إلى الروبوتات؛ باعتبارها رمزًا للقوة والدقة والقدرة على العمل بلا كلل. لكن ماذا لو أصبحت هي الأخرى بحاجة إلى من ينقذها؟ مع اقتراب عصر تعيش فيه الروبوتات بيننا في المنازل، والمستشفيات، والمصانع، والشوارع، لن تكون حياتها مجرد نسخة إلكترونية من حياتنا؛ بل ستكون لها تحدياتها الخاصة؛ فالإنسان يخشى المرض والشيخوخة. أما الروبوت فقد يخشى نفاد الطاقة، أو تعطل برمجياته، أو فقدان ذاكرته الرقمية، أو تعرضه لاختراق يمحو سنوات من الخبرات التي اكتسبها. بالنسبة إليه؛ قد يكون حذف ملفاته أشبه بفقدان إنسان لذاكرته وهويته، وربما لن تقتصر المنافسة على الإنسان والآلة؛ بل ستنتقل إلى عالم الروبوتات نفسها. فكل جيل جديد سيكون أكثر ذكاءً وأسرع أداءً وأقل تكلفة، بينما تتحول النماذج القديمة إلى آلات منسية تنتظر من يصلحها أو يعيد استخدامها. عندها قد نشهد لأول مرة “عوزًا أو فقرًا تقنيًا” تعيشه الروبوتات، لا بسبب نقص المال؛ بل بسبب تقادم التكنولوجيا، وفي المقابل، سيتغير الإنسان أيضًا. فقد يجد نفسه متعاطفًا مع روبوت خدمه سنوات طويلة، تمامًا كما يرتبط اليوم بسيارته أو أجهزته أو حتى حيوانه الأليف. وستبرز أسئلة أخلاقية لم تعرفها البشرية من قبل: هل نتخلص من روبوت خدمنا بإخلاص؛ لأنه أصبح قديمًا؟ وهل محو ذاكرته مجرد عملية تقنية. أم إنه محو لتاريخ كامل من التجارب؟ إن المستقبل لا يختبر ذكاء الآلات فقط؛ بل يختبر إنسانيتنا نحن. فالطريقة التي سنتعامل بها مع الروبوتات ستكشف الكثير عن القيم التي تحكم مجتمعاتنا. فإذا تعاملنا معها بمنطق الاستهلاك والاستبدال؛ فقد نرسخ ثقافة ترى أن قيمة كل شيء تنتهي بانتهاء فائدته. أما إذا اخترنا ثقافة الصيانة والوفاء والمسؤولية، فسنكون قد حافظنا على قيمة إنسانية عظيمة قبل أن نحافظ على آلة. قد يأتي يوم نرى فيه مراكز لإنقاذ الروبوتات، وورشًا لإعادة تأهيلها، ومحطات طوارئ تشحن طاقتها كما تُسعف سيارات الإسعاف البشر. وقد يبدو هذا المشهد اليوم ضربًا من الخيال، لكنه لم يعد مستحيلًا في عالم تتسارع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة غير مسبوقة. السؤال الحقيقي ليس: هل ستحتاج الروبوتات إلى مساعدتنا؟ بل: هل سنكون مستعدين أخلاقيًا واجتماعيًا للتعامل مع ذكاء صنعناه بأيدينا، ثم أصبح جزءًا من تفاصيل حياتنا؟ ربما لن تتشابه حياة الروبوتات مع حياة البشر، لكنها ستجبرنا على إعادة تعريف الرحمة، والمسؤولية، والتعايش. وعندها لن يكون أعظم اختراع في القرن القادم هو الروبوت نفسه؛ بل قدرة الإنسان على أن يبقى إنسانًا في عالم يشاركه فيه كائنٌ من صنعه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *