عاش المجتمع الدولي فترة عصيبة خلال الفترة الماضية؛ بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية. ولا زال يتوجس خيفة انهيار اتفاق المصالحة والعودة الى الحرب مجدداً. تتحرك الجغرافيا السياسية والاقتصادية في منطقة الخليج العربي نحو مرحلة جديدة من النضج الإستراتيجي؛ حيث لم يعد الاعتماد على الممرات المائية التقليدية خياراً آمناً بشكل مطلق، في ظل عالم يموج بالاضطرابات، لا سيما أن إيران قامت بإغلاق مضيق هرمز مجدداً؛ بسبب الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان. وكما جاء في الحديث الصحيح: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين. وبعد نجاح تحويل الشحن من شرق المملكة الى غربها أصبحت الحاجة إلى إنشاء شبكة أنابيب نفطية خليجية عملاقة تخترق رمال الربع الخالي لتنتهي عند السواحل العُمانية المطلة على بحر العرب والمحيط الهندي، ليمثل تحولاً جذرياً في فلسفة نقل الطاقة، لتكون مرحلة جديدة، يمكن تسميتها بـ “السيادة اللوجستية البديلة”. إن هذا المشروع يتجاوز كونه مجرد هندسة أنابيب، ليمثل إعادة صياغة كاملة للأبعاد الاقتصادية والاستثمارية في المنطقة، ويمكن تفصيل أبرز هذه الأبعاد والفوائد في المحاور التالية. 1. تحييد مخاطر “نقطة الاختناق” وخفض كلف التأمين الملاحي: يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من إمدادات السوائل النفطية العالمية، ما يجعله تحت رحمة التوترات الجيوسياسية المستمرة. اقتصادياً، تنعكس أي مناوشات أو تهديدات في هذا المضيق فوراً على علاوات مخاطر الحرب، التي تفرضها شركات التأمين البحري على ناقلات النفط داخل الخليج العربي. الفائدة المباشرة: شحن النفط من الموانئ العُمانية (مثل الدقم أو صلالة) المطلة مباشرة على المياه المفتوحة يلغي”علاوة خطر هرمز”، ما يوفر مليارات الدولارات سنوياً على المنتجين والمشترين، ويمنح النفط الخليجي ميزة تنافسية سعرية في الأسواق العالمية. 2. الكفاءة التشغيلية واختصار زمن الرحلات البحرية: يتطلب شحن النفط من الموانئ الواقعة عميقاً داخل الخليج العربي (كالموانئ الكويتية أو السعودية أو القطرية) عبور الناقلات لرحلة ذهاب وإياب طويلة عبر الخليج وصولاً للمحيط. وفورات الحجم والوقت: الالتفاف حول شبه الجزيرة العربية عبر شبكة الأنابيب يختصر أياماً كاملة من زمن رحلة الناقلات المتجهة إلى الأسواق الناشئة في آسيا وإفريقيا، مما يرفع من معدل دوران رأس المال للشركات النفطية ويقلل من استهلاك الوقود والانبعاثات الكربونية للشحن البحري. 3. إحياء الربع الخالي وتنمية المناطق الحدودية: تتحول الصحراء بموجب هذا المشروع من عائق جغرافي إلى شريان اقتصادي حيوي. البنية التحتية المصاحبة: يتطلب مد الأنابيب إنشاء محطات ضخ، ومراكز صيانة، وشبكات طرق، وخطوط إمداد بالمياه والطاقة عبر صحراء الربع الخالي. هذا التحول سيخلق قطاعات عمل جديدة، ويحفز المقاولين المحليين، ويفتح الباب أمام نشوء مجتمعات عمرانية وصناعية صغيرة على طول مسار الأنابيب. 4. تحويل سلطنة عُمان إلى “مركز” لوجستي وطاقة عالمي: يمثل المشروع قفزة نوعية للاقتصاد العُماني ورؤيته الإستراتيجية، حيث ستتحول موانئها إلى مراكز تجميع وتكرير وتقديم خدمات لوجستية عملاقة. القيمة المضافة: لن يقتصر دور الموانئ العُمانية على تصدير النفط الخام، بل سيمتد إلى بناء مصافي تكرير مشتركة، ومجمعات بتروكيماوية ضخمة تتغذى على هذا المزيج النفطي الخليجي، بالإضافة إلى خلق سوق ضخمة لتخزين النفط واستشراف عقود التحوط المستقبلية. 5. تعزيز التكامل المالي والاستثماري الخليجي مشروع بهذا الحجم يتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، ما يدفع نحو تكتل مالي خليجي غير مسبوق. التمويل المشترك والاستدامة: يفتح المشروع الباب لإطلاق تحالفات بين الصناديق السيادية الخليجية، وإصدار سندات خضراء أو صكوك تمويل بنية تحتية مشتركة. كما يوفر بيئة خصبة لتبادل الخبرات الفنية بين عمالقة الطاقة في المنطقة (مثل أرامكو، وأدنوك، ومؤسسة البترول الكويتية، وقطر للطاقة، و أوكيو العُمانية). خلاصة إستراتيجية: إن مشروع أنابيب “الربع الخالي – بحر العرب” ليس مجرد خطة طوارئ للهروب من مضيق هرمز، بل هو إعادة تموضع اقتصادي شامل. إنه ينقل دول مجلس التعاون الخليجي من مرحلة “التنسيق السياسي” إلى مرحلة “الانصهار البنيوي”، حيث تصبح مصالح الطاقة متشابكة ومحمية برؤية موحدة، تحول جغرافية الصحراء القاسية إلى منصة لإطلاق أمن الطاقة العالمي نحو آفاق أكثر استقراراً واستدامة. مستشار مالي/ محكم تجاري دولي
ماذا بعد انتهاء الحرب
