مقالات الكتاب

تحدي (السُكات)!

*حالة من الصمت المهيب تسيطر على الجمهور، الذي تقاطر من كل فج عميق، لتمتلئ مدرجات وتفيض جنبات المسرح القومي بأم درمان عن بكرة أبيها في تلك الأمسية الاستثنائية وذاك اليوم الموعود، عدسات المصورين تنتقل ما بين الخشبة وتلك الجموع الغفيرة، التي تقف على أقدامها بعد فشلها في العثور على أماكن للجلوس عليها، ولم نكن- نحن الجالسون في المقاعد الأمامية- أفضل حالًا منهم، فمشاعرنا قد سبقتنا وسبقتهم للوقوف..!!
* فرادة تلك الأمسية وتميزها عن سواها من الليالي، تمثل في أن مطربًا عملاقًا بحجم الفنان السوداني الراحل محمد وردي؛ ذلكم القامة الشاهقة والمنارة السامقة لم يكتفِ وهو قد تجاوز السبعين من العمر، بأن يلتقي بجمهوره في حفل جماهيري حي (أذنًا لحنجرة)، بل سيعيد تقديم (الطير المهاجر) رائعة الشاعر الفحل صلاح أحمد إبراهيم بصورة جديدة ،مع أنها التي لا تزال- أيقونة الحاضر وريحانة الماضي التليد- ورغم كل هذه السنوات الطوال لا تزال (أجدّ من كل عمل غنائي جديد).
* ليس مهمًا  التحدث عن نبوغ وردي الفني وعبقريته الموسيقية، فتلك من الثوابت الفلكية والحقائق الكونية، ولكن المهم حقًا أن نأخذ العظات والعبر؛ ونستخلص الدروس من تجربته الحياتية وإصراره على الصمود والمقاومة حتى رحيله عن الدنيا، فالرجل كان حائط صد للأزمات المتلاحقة والمتشابكة، وعنوانًا عريضًا للتحدي والقفز فوق أسوار الحياة الشائكة..!!
* الحدث الأهم في ذلك الحفل الاستثنائي تمثل في تقديم وردي لأغنية جديدة بعنوان (نختلف أو نتفق) صاغها شعرًا صديقنا الشاعر المرهف سعد الدين إبراهيم؛ لذا لم يكن غريبًا، أن يضع الجمهور يومها آذانه على حافة خشبة المسرح، وألصقها بمكبرات الصوت، بينما صوبوا أنظارهم وكل حواسهم نحو الفنان الكبير، وهو يصدح بأغنية جديدة – بعد مقدمة موسيقية متقنة- شادياً:
نختلف أو نتفق.. تقنعيني وأقنعك
نختصم أو نصطلح .. تسمعيني وأسمعك
المهم إنه الحوار .. يستمر ما ينقطع
المهم إنوه الجدار .. ما يعلو أكتر ويرتفع..!
* وبينما وردي يردد في الأغنية (الملحمة) والكل يصب تركيزه مع هذا العمل الجديد، طافت بذهني ذكريات وأحداث مرتبطة بالأغنية ارتباطًا وثيقًا، منذ أن خصني صديقنا الراحل المقيم سعد الدين إبراهيم باطلاعي على نصها- ظنًا منه أني أتمتع بذائقة فنية جيدة وحس أدبي عالي النبرة- وطلب مني وقتها أن أقول له رأيي في (نتفق أو نختلف)، وللحقيقة أعجبتني الفكرة جداً، وشدني المضمون، وبساطة التناول، ويسر الطرح الخالي من أية فذلكة أوتقعر وتعقيد ..!!
* الأغنية- حسب فهمي الخاص- تؤسس لخدمة المفاهيم النبيلة، وبإمكاني أن ألخص أبعادها المتجاوزة في نقطتين مهمتين:
أولهما: الدعوة للإبقاء على الثوابت، وعدم تأثرها بحركة رياح التغيير السلبي، وعواصف الخلافات التي تهب على الحياة والمعاملات بين الفينة والأخرى..!!
النقطة الثانية: ضرورة استمرار الحوار وسيادة المنطق والمقارعة بالحجة في أحلك الظروف، لا سيما عندما تضطرب العلاقات وتتسع شقة الخلافات وتتفاقم الأزمات في كل مجال..!!
• أعلنت انحيازي السافر لهذه الأغنية منذ استماعي لنصها منذ الوهلة الأولى، حتى جاء يوم أقمت فيه صالونًا فنيًا جامعًا لإدارة حوار صحافي مغلق عن قضية (الأغنية السودانية وكيفية الخروج من نفق المحلية)، وشرُفت يومها بحضور وردي، وقلت له في ختام الجلسة:
(أنك تحدثت الآن عن ندرة النصوص الشعرية الجيدة التي تناقش قضايا آنية، دعني أرشدك على نص صاحبه بيننا)، فأعجبته الفكرة المطلع، وقرأ سعد الدين النص كاملًا، فكان الإعلان الرسمي عن ميلاد أغنية جديدة لمحمد وردي، وحينها غمرني فرح بلا حدود، وحاولت أن أبرز ذلك التعاون الجديد، وألاحقه بالسؤال عنه يومًا تلو الآخر، ومن يرى اهتمامي بالأغنية يحسبني كاتبها أو ملحنها، ولا يفوتني أن أقول: إن صديقنا الراحل سعد الدين كثيرًا ما ذكر مناسبة هذا التعاون الفني الكبير في أكثر من منبر إعلامي بشيء من الانصاف والتقدير لأحد أبنائه، وذاك بالطبع أمر يشرفني جداً، فما أجمل أن ترتبط بالجمال وأروع الأغنيات والأعمال..!!
نفس أخير
* نحرس الأمل الموات والظروف ألمًا مساعدة .. ولا نتحدى السُكات بأغانٍ جديدة واعدة.

haythamcapo77@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *