مقالات الكتاب

الكوت واحة النور

بروفيسور عبدالحليم موسى
ليست المدن مجرد بيوتٍ متجاورة، ولا الأزقة مجرد طرقاتٍ تعبرها الأقدام، فبعض الأمكنة تُولد وفي داخلها روحٌ أكبر من الجغرافيا، وذاكرةٌ أعمق من الزمن؛ فمع هذا وتلك لم يكن حيّ الكوت في الأحساء يوماً مجرد حيٍّ قديم، بل كان قلباً نابضاً بالعلم، وواحةً من الحكمة وسط صحراءٍ كانت تبحث عن الماء والمعنى معاً.
هناك، حيث كانت النخيل ترفع رؤوسها كأنها مآذن خضراء، وحيث الهواء يحمل رائحة الطين والماء والكتب القديمة، تشكّلت واحدة من أجمل الحكايات العلمية في شرق الجزيرة العربية؛ فالكوت لم يكن مكاناً عادياً.. كان مدرسةً مفتوحة للحياة، وكانت جدرانه تحفظ أصوات الفقهاء وقراء القرآن والمعلمين، وتحتضن حلقات العلم والمناظرات التي تمتد حتى آخر الليل تحت ضوء الفوانيس البسيطة.
في زمنٍ كانت فيه الصحراء قاسية، كان الكوت رحيماً، وفي زمنٍ كانت فيه الأمية تحاصر كثيراً من البيئات، كان يفتح نوافذه للعلم والمعرفة، وكأن الله اختار لهذه الواحة الصغيرة أن تكون مصباحاً يهدي القوافل لا إلى الطرق فحسب، بل إلى الفكر والوعي والروح.
لقد عُرفت الكوت بأنها موطن العلم والعلماء في الأحساء، في مشهد حضاري يعكس عمق الحركة العلمية التي عرفتها المنطقة منذ قرون، حيث كان باباً للحوار والتكامل، ولذلك ازدهرت حلقات العلم وامتلأت المجالس بالنقاشات الفقهية والأدبية واللغوية.
وفي قلب الكوت، حيث تتجاور الذاكرة مع التاريخ، يقف بيت البيعة بوصفه أحد الرموز العلمية والوطنية الراسخة في وجدان أهل الأحساء، شاهداً على زمن كانت فيه البيوت تُشيَّد بالعلم قبل الطين، فلم يكن ازدهار العلم في الكوت مرتبطاً بالأفراد وحدهم، بل كان ثمرة جهود أسر علمية عريقة جعلت من التعليم الشرعي رسالةً تتوارثها الأجيال؛ فقد برزت الأسر العلمية التي أسهمت في صناعة المشهد العلمي بالأحساء، إلى جانب المدارس والحلقات العلمية التي أصبحت منارات للمعرفة في زمانها؛ تقدم العلوم الفقه والتفسير والحديث واللغة العربية وسائر العلوم الشرعية.
كما احتضنت هذه الأسر الطلاب الوافدين من القرى والبلدان المجاورة، ووفرت لهم السكن والإعاشة في مجمع علمي عُرف باسم “الرباط”، الذ كان مدرسةً للحياة والعلم معاً، ومقصداً للدارسين الذين حملوا رسالة المعرفة إلى مختلف أنحاء المنطقة.
ومن بين أزقة الكوت خرج علماء وقضاة وأدباء ومفكرون تركوا بصماتهم في الأحساء والخليج والعالم الإسلامي، ممن أسهموا في ترسيخ قيم العلم والاعتدال، وجعلوا من الكوت مركزاً للإشعاع الفكري والثقافي في شرق الجزيرة العربية؛ فكان علماء الكوت يشبهون النخيل؛ راسخين في الأرض، سامقين في العطاء؛ لم يكونوا يرفعون أصواتهم بقدر ما كانوا يرفعون مكانة الإنسان بالعلم والأخلاق. وكانت البيوت تحفظ الكتب كما تحفظ الطعام، لأن أهلها أدركوا أن الجوع الحقيقي ليس جوع الجسد، بل جوع العقل والروح.
وحين نتأمل تاريخ الكوت اليوم، ندرك أن الأمكنة العظيمة لا تُقاس باتساعها، بل بما تصنعه من وعي. فقد كانت هذه الواحة الصغيرة أكبر من الصحراء المحيطة بها، لأن المعرفة دائماً أوسع من الرمل وأبقى من الزمن.. الكوت لم يكن مجرد حيٍّ في الأحساء، بل فكرة حضارية تؤكد أن العلم قادر على تحويل الواحات الصغيرة إلى مراكز إشعاع، وأن الإنسان حين يحب المعرفة يستطيع أن يهزم العزلة والجفاف وقسوة الحياة.
ولهذا، كلما ذُكرت الكوت، لا يتذكر الناس الطين القديم فحسب، بل يتذكرون زمناً كانت فيه المجالس تمتلئ بالحكمة، وكانت الكلمة تُوزن بميزان الأخلاق، وكان العالم يُعامل بوصفه ثروة روحية ومعرفية للمجتمع، وكأن الكوت ما زال يردد للأجيال: “قد تجف بعض الآبار، لكن آبار العلم لا تنضب أبداً”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *