مقالات الكتاب

الوباء الرقمي

أ.د. سالم سعيد باعجاجه

في العقود الأخيرة، لم يعد قصر النظر مجرد مشكلة بصرية فردية، بل تحوّل إلى ظاهرة عالمية يصفها كثير من الباحثين بالوباء الرقمي. ومع الانتشار الواسع للأجهزة الذكية والاعتماد المتزايد على الشاشات في التعليم والعمل والترفيه، تشهد دول العالم ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات الإصابة بقصر النظر، خاصة بين الأطفال والمراهقين، ف قصر النظر هو اضطراب بصري يجعل الشخص يرى الأشياء القريبة بوضوح، بينما تبدو الأجسام البعيدة ضبابية. يحدث ذلك عندما تطول كرة العين أكثر من الطبيعي أو عندما تنحني القرنية بشكل زائد، فتتجمع الأشعة الضوئية أمام الشبكية بدلًا من أن تتركز عليها مباشرة، ولقد أصبحت الشاشات جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية؛ فالطلاب يقضون ساعات طويلة أمام الأجهزة اللوحية، والموظفون يعملون عبر الحواسيب، وحتى أوقات الترفيه أصبحت مرتبطة بالهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية. هذا الاستخدام المكثف للتركيز القريب يجهد العين ويزيد احتمالية تطور قصر النظر، ويشير مختصون إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في الشاشات نفسها، بل في نمط الحياة الحديث الذي يقلل من الوقت الذي يقضيه الإنسان في الهواء الطلق. فقد أظهرت دراسات عديدة أن التعرض للضوء الطبيعي يساعد في حماية العين وتقليل خطر الإصابة بقصر النظر لدى الأطفال، تشير التقديرات الحديثة إلى أن نصف سكان العالم قد يعانون من قصر النظر بحلول عام 2050 إذا استمرت المعدلات الحالية في الارتفاع. وتُعد دول شرق آسيا من أكثر المناطق تأثرًا، حيث وصلت نسب الإصابة بين الشباب في بعض المدن إلى مستويات مرتفعة للغاية، وهذا التزايد لا يمثل مجرد تحدٍ صحي، بل قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل انفصال الشبكية، والمياه الزرقاء، وضعف البصر الدائم في الحالات الشديدة، ويُعد الأطفال الفئة الأكثر تأثرًا بالوباء الرقمي، لأن أعينهم ما تزال في مرحلة النمو. وقد ساهم التعليم الإلكتروني، خصوصًا بعد جائحة كورونا، في زيادة عدد الساعات التي يقضيها الأطفال أمام الشاشات يوميًا، ما أدى إلى ارتفاع واضح في حالات قصر النظر المبكر، ولمواجهة هذا الوباء المتنامي، ينصح الخبراء بعدة إجراءات بسيطة لكنها فعالة، منها تقليل ساعات استخدام الشاشات قدر الإمكان، تشجيع الأطفال على قضاء وقت أطول في الخارج، والحفاظ على إضاءة جيدة أثناء القراءة أو الدراسة، وإجراء فحوصات دورية للعين للكشف المبكر عن أي تغيرات بصرية.

وختاماً لقد غيّرت التكنولوجيا حياة الإنسان بطرق مذهلة، لكنها في الوقت نفسه فرضت تحديات صحية جديدة، من أبرزها الارتفاع العالمي في معدلات قصر النظر. ومع استمرار التحول الرقمي، يصبح الوعي الصحي البصري ضرورة ملحّة، ليس فقط لحماية النظر، بل للحفاظ على جودة الحياة للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *