مقالات الكتاب

جاهزون

في كل عام، ومع اقتراب موسم الحج، نلاحظ على مواقع التواصل وبعض القنوات والصحف الإعلامية حول العالم موجة متجددة من الحديث عن قضايا سعودية محددة: مثل البطالة، والترفيه، وبعض الملفات الاجتماعية، التي يتم تضخيمها أو إخراجها من سياقها الحقيقي.
ليس الإشكال في طرح هذه القضايا بحد ذاته، فالنقاش المسؤول مطلوب ومفيد. لكن ما يلفت الانتباه فعلاً هو التوقيت، والزخم المفاجئ، والانتقائية في إعادة تدوير موضوعات بعينها، وكأنها جديدة، رغم أنها مطروحة منذ وقت طويل، أو يتم التعامل معها بشكل مبالغ فيه.
لماذا يتكرر هذا المشهد تحديداً قبل موسم الحج؟
لأن الحج ليس مجرد شعيرة دينية، بل هو حدث عالمي كبير، يضع السعودية في قلب الاهتمام الإعلامي والسياسي والإنساني. ومع هذا الاهتمام العالمي المكثّف، يتسع نطاق التغطية وتعدد القراءات، وأحياناً تظهر سرديات غير مكتملة، أو مجتزأة من السياق.
المقلق هنا هو التركيز الانتقائي على زوايا محددة، مع تجاهل الصورة الكاملة. فبدلاً من تقديم قراءة متوازنة لمجتمع كبير يعيش تحولات اقتصادية واجتماعية واسعة، يتم اللجوء إلى أرقام قديمة، أو قصص فردية تُقدَّم وكأنها ظواهر عامة، أو محتوى مكرر أو غير دقيق يُنشر دون تحقق.
ويحدث ذلك لأن المشهد الإعلامي الجديد بات يعمل بمنطق “الانتشار قبل الدقة”؛ حيث تتقدم العناوين المثيرة على حساب التفاصيل والسياق، وتُستخدم القضايا الاجتماعية كوسيلة لزيادة التفاعل، حتى لو كان ذلك على حساب الفهم الصحيح.
وفي الحالة السعودية تحديداً، هناك عامل مهم لا يمكن تجاهله: سرعة التحول. فكل مجتمع يمر بمرحلة تغيير اقتصادي وثقافي كبير سيكون بطبيعته محط قراءات متعددة؛ بعضها منصف ومتوازن، وبعضها متسرع، وبعضها يتعمد اختزال الصورة في نقاط ضعف معزولة عن واقعها الكامل.
خذوا مثال البطالة: نادراً ما تُناقش ضمن صورتها الاقتصادية الشاملة المرتبطة بإعادة هيكلة سوق العمل، وبرامج التوطين، والتحول نحو اقتصاد متنوع. بل تُستخدم أحياناً كعنوان عام للتعميم أو لإثارة الجدل.
أما الترفيه، فيُختزل في نقاشات ثقافية أو أخلاقية، بينما هو في جوهره جزء من تحول أكبر، يهدف إلى تحسين جودة الحياة، وتنويع مصادر الدخل.
والأخطر من ذلك هو القضايا الاجتماعية المبالغ فيها أو المختلقة؛ لأنها لا تكتفي بالنقد، بل تصنع صورة غير حقيقية تتكرر في أذهان الناس مع الوقت، حتى لو كانت مبنية على حالات فردية نادرة أو غير دقيقة.
ومع ذلك، فهذا لا يعني رفض النقد أو الانغلاق أمامه. فالمجتمعات القوية هي التي تواجه تحدياتها بوضوح وتناقشها بشفافية. لكن الفرق بين النقد البنّاء والتشويه المتعمد واضح: النية، والسياق، والدقة.
وفي الختام، تبقى الحقيقة الأهم والأقوى من أي ضجيج في كل عام: أن المملكة العربية السعودية جاهزة لاستقبال ضيوف الرحمن، وإدارة موسم الحج بكل كفاءة واقتدار بجاهزية لاتعلن فقط، بل تترجم على الأرض عبر منظومة تنظيمية ولوجستية متقدمة، وخبرة تراكمية طويلة، وقدرة عالية على إدارة هذا الحدث العالمي.
ومهما تكرر الضجيج الموسمي أو الحملات أو محاولات التشويش، يبقى الواقع على الأرض هو الرد الأوضح: الحج يُدار باحترافية عالية كل عام، وضيوف الرحمن يُخدمون بأعلى المعايير، والمملكة تؤكد في كل موسم أنها على قدر هذه المسؤولية العظيمة دون تردد أو تأخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *