لا يمكن لمجتمع يطمح إلى مستقبل أكثر ازدهارًا، أن يضع الموروث في مواجهة مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص، أو أن يتكئ على تصنيفات لم تعد منسجمة مع متطلبات الحاضر. وبينما نفخر بتاريخنا وجذورنا، يظل من المهم أن نتساءل بهدوء: كيف نحافظ على هذا الإرث؛ بوصفه عامل قوة، دون أن يتحول– ولو في حالات محدودة– إلى عائق أمام التقدم؟
في المملكة العربية السعودية، تمثّل القبيلة جزءًا أصيلاً من الهوية الاجتماعية، وحاضنة لقيم راسخة؛ كالتكافل والكرم والشجاعة. غير أن الإشكال لا يظهر في هذا الانتماء ذاته، بل في بعض الممارسات الفردية التي قد تُحمّله ما ليس منه، حين يتحول– في نطاق ضيق– من إطار ثقافي جامع إلى معيار للحكم على الآخرين. هنا لا نتحدث عن ظاهرة عامة، بل عن سلوكيات محدودة تستدعي الانتباه قبل أن تتسع.
وعند التأمل، يتضح أن ما يُرصد أحيانًا في النقاشات، أو على منصات التواصل، أو حتى في بعض البيئات المهنية، يظل في مجمله حالات فردية لا تعبّر عن المجتمع، لكنها في الوقت ذاته تستحق المعالجة المبكرة. فالتجارب تؤكد أن تجاهل مثل هذه الممارسات- مهما بدت معزولة- قد يمنحها مساحة أكبر مما تستحق.
السؤال هنا لا يتعلق بحجم المشكلة بقدر ما يتعلق بأثرها، إن تُركت دون تصحيح. فحتى الحالات المحدودة قد تؤثر على مستوى الثقة بين الأفراد، أو تُعطي انطباعًا غير دقيق عن طبيعة العلاقات داخل المجتمع. ومن هنا تبرز أهمية التعامل معها في إطارها الصحيح: سلوكيات فردية تُقوَّم، لا ظاهرة تُضخَّم. وربما يمتد هذا المعنى إلى بيئة العمل، حيث تظهر بعض الممارسات المحدودة، التي قد تُقدِّم الاعتبارات الشخصية على الكفاءة. ورغم أن هذه الحالات ليست القاعدة، فإن التصدي لها يظل ضروريًا لضمان بقاء معايير الاستحقاق واضحة وثابتة، بما يعزز كفاءة المؤسسات ويحافظ على جودة أدائها.
لذلك، فإن القضية لا تكمن في الانتماء ذاته، بل في كيفية توظيفه. فالاعتزاز بالجذور قيمة إيجابية، ما دام في سياقه الطبيعي الذي يعزز التعارف والتكامل، لا التفاضل والإقصاء. والانتماء حين يبقى في إطاره الثقافي والاجتماعي الصحيح، يظل مصدر إثراء لا سبب اختلاف.
وبشكل أوضح، فإن الإنصاف لا يتعارض مع الاعتزاز، بل يكمله. فلا قيمة لأي انتماء إذا أصبح مقياسًا لتقييم الآخرين، كما أن التقدم لا يتحقق إلا حين تكون الكفاءة هي المعيار الأوضح. ومن هنا، فإن تعزيز هذه القيم لا يحتاج إلى مواجهة، بقدر ما يحتاج إلى وعي، وإلى ترسيخ مستمر لمبدأ أن الإنسان يُقاس بما يقدّمه، لا بما ينتمي إليه.
ويبقى الرهان على الوعي المجتمعي، الذي يميّز بين الفخر المشروع والممارسة غير المنصفة، ويتعامل مع أي انحرافات في إطارها المحدود، قبل أن تتسع أو تُفهم على غير حقيقتها. فبهذا التوازن، نحافظ على إرثنا، ونمضي بثقة نحو مستقبل أكثر عدالة واتساقًا مع طموحاتنا.
الموروث بين الاعتزاز والتعصب
