في العيادات الطبية، لا تبدأ القصة دائمًا من الوزن، أو الأرقام المسجلة على الميزان، بل من مساحة أكثر تعقيدًا.. العقل. هناك، تتكرر عبارة واحدة بأشكال مختلفة: “لا أستطيع التوقف عن التفكير في الطعام”. ليست مجرد شكوى عابرة، بل وصف لحالة ذهنية مستمرة، تتسلل إلى تفاصيل اليوم، وتفرض حضورها حتى بعد الشبع.
في زمن تُحاصر فيه الحياة اليومية بإعلانات الطعام، وتنبيهات التطبيقات، وسهولة الوصول إلى كل ما هو متاح بضغطة زر، لم يعد التفكير في الأكل سلوكًا طبيعيًا فحسب، بل تحول لدى البعض إلى ما يشبه “ضجيجًا داخليًا” دائمًا. هذا ما بات يُعرف اليوم بـ“ضجيج الطعام” أو “Food Noise”، وهو مصطلح نشأ من تجارب المرضى قبل أن يجد طريقه إلى النقاشات العلمية، بوصفه ظاهرة تؤثر على السلوك الغذائي وجودة الحياة.
في هذا الحوار، يوضح استشاري الباطنة والغدد الصماء والسكري، الدكتور نويد الزمان، أستاذ مشارك بكلية الطب في جامعة طيبة، أبعاد هذه الظاهرة، بين ما هو بيولوجي وما هو نفسي، وبين ما نعتقد أنه قرار واعٍ، وما قد يكون نتاجًا لمنظومة أعمق.
يقول د. نويد الزمان:” إن ضجيج الطعام بدأ كتوصيف شعبي، لكنه يقترب اليوم من أن يكون مفهومًا علميًا قائمًا بذاته. فالأمر لا يتعلق بمجرد التفكير في الطعام، بل بأفكار ملحّة ومتكررة، قد يشعر بها الشخص كأنها خارج إرادته، وتؤثر بشكل مباشر على يومه وحالته النفسية. الفارق، كما يشرح، يكمن في الشدة والتكرار؛ إذ يصبح التفكير عبئًا عندما يسيطر على الذهن ويستنزف طاقته”.
من الناحية السريرية، لا يُقاس الأمر بوجود الفكرة بحد ذاتها، بل بتأثيرها. ففي حالات “ضجيج الطعام”، تتحول الأفكار إلى ما يشبه “الاجترار الذهني”، حيث تتكرر بشكل قهري، وتتداخل مع باقي الأنشطة اليومية. لا يعود السؤال “ماذا سأأكل؟” بسيطًا، بل يتفرع إلى سلسلة لا تنتهي من التساؤلات حول الكمية والنوع والتوقيت، ما يخلق حالة من الإرهاق الذهني المستمر.
ورغم ارتباط هذه الظاهرة في أذهان كثيرين بالسمنة، يشير د. الزمان إلى أنها أوسع من ذلك. فهي قد تظهر لدى من يتبعون حميات صارمة، أو لدى أشخاص يعانون من اضطرابات في الأكل، ما يعني أن العلاقة ليست بالوزن بقدر ما هي بكيفية تنظيم الدماغ لعلاقته مع الطعام.
البيئة الحديثة، بحسب الزمان، تلعب دورًا حاسمًا في تضخيم هذه الحالة. فالتعرض المستمر لمحفزات الطعام، من الإعلانات إلى التطبيقات، لا يترك مساحة حقيقية للهدوء الذهني، بل يعزز من حضور الطعام في التفكير اليومي، ويزيد من العبء المرتبط باتخاذ القرار الغذائي.
وفي سياق متصل، يلفت إلى الأدوية الحديثة من فئة GLP-1، التي لا تقتصر فعاليتها على تقليل الشهية، بل تمتد لتؤثر على مراكز في الدماغ مرتبطة بالمكافأة والسلوك، ما يؤدي إلى تقليل هذا “الضجيج” الذهني. ويؤكد أن هذه النقطة تعيد طرح فهمنا للسلوك الغذائي، باعتباره نتيجة تفاعل معقد بين عوامل عصبية ونفسية، وليس مجرد قرار واعٍ.
ورغم ذلك، لا يستبعد د. الزمان أن يكون لهذا “الضجيج” أصل بيولوجي طبيعي. ففي بيئات كان فيها الغذاء نادرًا، ربما كان التفكير المستمر فيه وسيلة بقاء. لكن في عالم اليوم، حيث الوفرة هي القاعدة، قد تتحول هذه الآلية نفسها إلى عبء.
أما الحميات القاسية، فيراها عاملًا قد يزيد من حدة الظاهرة. ويستشهد بتجارب علمية مثل “تجربة مينيسوتا للتجويع”، التي أظهرت أن تقليل السعرات بشكل كبير يمكن أن يؤدي إلى انشغال ذهني مفرط بالطعام، حتى لدى أشخاص أصحاء. وهو ما يطرح تساؤلات حول الأحكام السريعة التي تُختزل في “ضعف الإرادة”.
تأثير “ضجيج الطعام” لا يقف عند حدود الأكل، بل يمتد إلى جودة الحياة بشكل عام. فهو، كما يصفه المرضى، عبء ذهني دائم يؤثر على التركيز والإنتاجية، وقد ينعكس على العلاقات اليومية، ويجعل الالتزام بالأنظمة الغذائية أكثر صعوبة.
في النهاية، يشدد د. نويد الزمان على أن التعامل مع هذه الحالة يبدأ بالفهم، بعيدًا عن اللوم أو التبسيط. ثم يأتي التمييز بين الجوع الحقيقي والدافع الذهني، وأخيرًا اعتماد نهج متكامل قد يشمل التعديل السلوكي، والتوجيه الغذائي، وأحيانًا التدخل الدوائي.
ويبقى السؤال مفتوحًا: في علاقتنا اليومية مع الطعام، هل نحن من يتخذ القرار، أم أن عقولنا تسبقه بخطوة؟
صوت الحجاز أول جريدة سعودية أسسها: محمد صالح نصيف في 1350/11/27 هـ الموافق 3 أبريل 1932 ميلادي.
وعاودت الصدور باسم (البلاد السعودية) في 1365/4/1 هـ 1946/3/4 م
(البلاد السعودية/عرفات) اندمجتا بمسمى البلاد في 1378/7/16 هـ – 1959/1/26 م