مقالات الكتاب

وفاة

بالتعبير المصري، نقول لأهل الصحافة وذويها: البقية في حياتكم. وهو كلام لا شيء ولا معنى له ويجافي الحقيقة. أما الحقيقة السافرة فهي أن هذه المهنة غاية أملها سقوط طائرة أو غرق سفينة أو حريق في مكتبة جامعة أو انهيار عمارة؛ بسبب غش في مواد البناء. فترسل محرريها لتحصل على سبق صحفي. مثل قصة الرجل الجائع الذي استطاع أن يصيد سمكة، لكنه لم يجد نارًا يطبخ عليها، وفجأة رأى من بعيد حريقًا في عمارة فأسرع إليه، وفيما كان الناس يهرعون لإطفاء الحريق انتزع خشبة تشتعل وانتحى جانبًا، وأخذ يقلب السمكة على الجمر ويأكل منها والعائلات تتصايح من الأدوار العليا في العمارة.
فوفاة الصحافة خير؛ لأنها أحيانًا تكذب عيانًا. وأنا أذكر أن صحيفة أسبوعية اسمها الأوربي. كان شغلها الشاغل، أن العراق قام بتهريب أسلحة كيماوية إلى الجزائر. فلما قامت حرب أهلية في الجزائر سكتت تلك الصحيفة. فهي كانت تحطب في حبل التشهير بالعراق، وبالجزائر لخدمة أجندة معروفة.
وقال لي الآستاذ محمد عوبلي- رحمه الله: إن جريدة يومية عدنية نشرت في الستينات من القرن الماضي في الصفحة الأولى خبرًا عن انقلاب عسكري، ثم ذكرت في نفس العدد بالصفحة الأخيرة أنه ثبت لديها أن خبر الانقلاب العسكري المنشور على الصفحة الأولى غير صحيح. قال: السر في ذلك وجود فراغ على الصفحة الأولى، فاختار المحرر أن يخترع الانقلاب، ثم يكذبه في اليوم نفسه.
وأحيانًا تبالغ مبالغة عجيبة؛ فمثلًا قال لي مثقف سوداني ثقة: إن أهل جنوب السودان يختارون أسماء عربية كيفما اتفق، وهم لا يحسنون اللغة العربية. ولما رزق الله أحدهم بولد سماه الحكومة السودانية. وكبر الفتى وصار شابًا ودخل في مشاجرة، فجاءت الشرطة وقبضت عليه وأودعته السجن. ولعلها صحيفة “الانتباهة” أو غيرها- الله أعلم- نشرت الخبر على الصفحة الأولى كما يلي: الشرطة تقبض على الحكومة السودانية.
وقد استرعى انتباهي اسم “الانتباهة” فاشتريت نسخة قبل عشرين سنة، ولكنها احترقت بكل أسف.
ومثال ثالث أو رابع أو مائة، عندما هرب خروفان من إحدى المزارع، فأخذت إحدى الصحف تنشر على الصفحة الأولى عدة أيام أخبار الخروفين، ووصول القضية إلى القضاء.. إلخ.
وفاة الصحافة قبل أربع سنوات، حين سكرت شركات توزيع الصحف أبوابها. ولا مناص من القول: إن انحسار دور الصحافة خسارة كبيرة للمجتمع رغم ما فيها من أخطاء أو مبالغات. وذات مرة قال لي أحد الشيوخ: إن الجرائد فارغة. فقلت له: صحيفتنا فيها 30 صفحة يوميًا ومن بين هذا الكم الكبير من التقارير والأخبار والمقالات، لا بد أن فيها موضوعًا واحدًا على الأقل أو صفحة واحدة ت،ستأهل أن تدفع فيها ريالين. فوافق على كلامي- رحمه الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *