مقالات الكتاب

لا يضرِب لسانك عنقك

​في صمت اللسان حِكْمَةٌ تَتَرَجَّلُ عن صَهْوَةِ التهور، وفي إمساك لِجَامِ الكلمات نَجَاةٌ للعنق من سيف الندم. ​كم من زَلَّةِ لِسَانٍ هوت بصاحبها في مَهَاوِي الحسرة، وكم من كَلِمَةٍ طَائِشَةٍ أورثت القلب جُرْحًا لا يَنْدَمِل! ​إن اللسان جَوْهَرَةٌ مَكْنُونَةٌ، لا يُبَاحُ بمكنونها إلا في مَحَافِلِ الصدق، وبين أَرْوِقَةِ الفكر الرَّوِيِّ؛ فإذا سبق جريانه تدبر العقل، كان كالسيل الجارف الذي لا يُبْقِي ولا يَذَر، يحمل في طَيَّاتِهِ الخراب والأسى. ​أما إذا استنار بنور البصيرة، وتَرَوَّى في مسالك القول، غدا بَلْسَمًا شَافِيًا، وعَبِيرًا فَوَّاحًا، يُزهر في القلوب رياض الود والألفة. ​فليكن الصمت مَلَاذًا أيها الفَطِن، حين تعصف بذهنك رياح الانفعال. ​وحين يشتد أُوَارُ الغضب في صدرك؛ ففي هذا السكون المَهِيب، تَتَجَلَّى لك الحقائق، وتتبين لك سُبُلُ الرشاد. ​إنها وَقْفَةُ تَأَمُّلٍ تسبق العاصفة، وهُدُوءٌ يسبق الانطلاق نحو القول الفَصْل. لا تجعل لسانك سَيْفًا مُسَلَّطًا على عنقك، بل اجعله مِفْتَاحًا يفتح لَكَ أبواب القلوب، وجِسْرًا تعبر عليه إلى ضِفَافِ المحبة والوئام. ​فكم من كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ أسرت قُلُوبًا جَامِحَةً، وكم من عِبَارَةٍ رَقِيقَةٍ أزالت غِشَاوَةَ سوء الفهم. ​وتذكر أيها اللَّبِيب أن الكلمة سَهْمٌ نَافِذٌ، إذا انطلق من قوس اللسان، فإنه قَلَّمَا يعود أَدْرَاجَهُ. فاحذر! أن تصيب به قَلْبًا بَرِيئًا، أو تحدث به شَرْخًا في صفاء العلاقات. ​فليكن لسانك أَسِيرًا لعقلك، لا قَائِدًا له إلى مَهَاوِي الرَّدَى. ​تَزَيَّنْ بالصمت الوَقُور، فهو حِصْنٌ حَصِينٌ من سهام الندم، وتَاجٌ رَفِيعٌ يُكَلِّلُ هَامَاتِ الحكماء، وفي هذا الصمت البَلِيغ، تكمن قوة الكلمة الحق التي تنطلق في حينها؛ لتصيب كَبِدَ الحقيقة، وتعلي بُنْيَانَ الصواب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *