مقالات الكتاب

الشايلوجيا

وصف الدكتور طه حسين- رحمه الله- ارتشاف الشاي بأنه صوت منكر. ولأنه كفيف البصر فقد عوضه الله بقوة في السمع يستقبل أدنى ديسيبل (مقياس درجات السمع). ونحن قد نسينا نعمة الشاي، ونعمة ارتشافه بسبب اعتيادنا. ولتوضيح ذلك، فقد زارنا ذات يوم بدوي شاب مع أخيه الكبير، وارتشف الشاي الساخن لأول مرة في حياته. سرى الطعم في عروقه ومفاصله؛ كمثل الخمرة. لقد سكر من لذة طعمه الممزوج بحليب الغنم. فهو لا يعرف إلا قهوة البن المحمص. وكان أخوه قد رحل إلى عدن، وعرف مقاهي الشاي هناك. فلما سكب الشاب الفنجان الثاني وشربه، وأخذ يسكب الثالث قال له أخوه: يا يسلم. قال: نعم. قال: شع (شوف) شرب الشاهي تمرقاح ما هوشي أجيج. تمرقاح صوت اللسان عندما يضرب بسقف الحلق. وأجيج كلمة بدوية ترادف الارتشاف.
قال الدكتور طه حسين في كتابه الأيام، وقد جاءني في رواية مصورة، أعدها ورسمها محسن عبد الحفيظ ونشرتها دار المحروسة، قال:
صوت أزيز غليان الماء، ثم موسيقى الملاعق تداعب الأكواب الزجاجية، وأخيرًا صوت منكر لرشفات الشفاه للشاي الساخن. دور ثان من الشاي؛ فالأولى تطفئ لهيب الفول، والثانية منعشة للأعصاب، ثم الدورة الثالثة التي يجب ألا ينقص عنها نصاب الشاي.
تعجبت من وصف “منكر” الذي وصف به الدكتور طه ارتشاف الشاي الساخن. لعله كان يقصد مزعجًا من الصوت الشايلوجي. لكن من ذا الذي يجرؤ على القول إن طه حسين قد خانه التعبير؟ الشاهد أننا لكثرة اعتيادنا على الشيء نسينا نعمة التلذذ به. وقد قالوا: إن شدة القرب حجاب. فالقارئ إذا أخذ أي كتاب وقربه إلى عينيه بمقدار بوصة واحدة لن يتبين له الحروف، كأنما بينه وبينها ضباب.
وأذكر أني سألت صديقًا من المنصورة بمصر: ما هو أهم معلم في مدينة المنصورة فقال لي: دار ابن لقمان، التي أُسر فيها قائد حملة الصليبيين لويس التاسع. ثم إني رأيت تحقيقًا عن المنصورة في مجلة العربي؛ فقرأت فيه أن نهر النيل يشق المنصورة نصفين. فالصديق العزيز لم يخطر على باله أن يذكر هذه المعلومة. لأن شدة القرب حجاب، وعندما تقرأ قوله تعالى: “ونحن أقرب إليه من حبل الوريد” قل شدة القرب حجاب.
نعود إلى الشاي؛ فقد أخبرني عمي عبد الله علي الجفري- رحمه الله- أنه لما كان في زيارة للصين في عهد ماوتسي تونغ، رتبوا له زيارة إلى بعض المزارع. قال: وبعد أن انتهينا من الجولة، لم نملك سوى أن نضرب كفًا على كف من العجب. فتلك الحقول التي زرناها ما هي إلا مزارع للقات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *