في بعض اللقاءات العابرة في المجتمع؛ قد تشعر بأنك أمام حكاية تُروى بإتقان لافت بتفاصيلها الغنية ومشاعرها الحاضرة، لكن شيئًا خفيًا يجعلك تتساءل عن مدى واقعيتها. هنا نحن نتحدث عن الواقع الخيالي، وهذه الحالة لا تتعلق بمجرد قول غير الحقيقة، بل بأسلوب نفسي معقد يدفع صاحبه لنسج قصص قد تبدو حقيقية حتى له.
وتكمن المشكلة في أن هذا السلوك لا يتوقف عند حدود الإقناع المؤقت، بل يمتد ليؤثر في العلاقات والثقة، فمع تكرار هذه القصص، يبدأ المحيطون بالفرد في التشكيك بكل ما يقوله؛ ما يخلق فجوة عاطفية واجتماعية. الأخطر من ذلك، أن الشخص نفسه قد ينجرف تدريجيًا نحو تصديق ما يختلقه، وقد يصل إلى الشك بينه و بين ذاته.
وبلا شك تكون الأسباب غالبًا أعمق مما تبدو عليه. قد يكون اختلاق الواقع الخيالي انعكاسًا لشعور داخلي بالنقص، أو محاولة لتعويض حرمان عاطفي قديم، وأحيانًا ينشأ من بيئة لم تمنح الفرد التقدير الكافي، فيلجأ لخلق واقع بديل يشعره بالأهمية والقبول. وفي حالات أخرى يكون وسيلة للهروب من ألم لا يستطيع مواجهته مباشرة.
وفي الجانب الآخر، الذي يقودنا إلى حل هذا؛ فإن البداية الحقيقية تكمن في الوعي دون قسوة وإدراك الفرد لطبيعة سلوكه، يساعده على كسر هذه الدائرة، ثم يأتي دور بناء تقدير الذات بطرق صحية، وتعلم التعبير الصادق عن المشاعر، كما أن العلاج النفسي خصوصًا السلوكي المعرفي يُعد أداة فعّالة لفهم الجذور العميقة لهذا النمط وتغييره تدريجيًا.
ومما يجب أن يؤخذ بالحسبان، أن اختلاق الواقع الخيالي ليس مجرد خلل سلوكي فحسب، بل رسالة نفسية تحمل احتياجات غير مٌلبّيِة، وعندما يُفهم هذا الاحتياج ويُعالج بوعي، ومن خلال هذا يمكن للفرد أن يستعيد توازنه، ويبدأ في بناء واقع أكثر صدقًا واتساقًا ورضا مع ذاته.
fatimah_nahar@
