قرر رود خوليت، صاحب الكرة الذهبية ورمز كرة القدم الهولندية الجميلة، أن يتوقف عن مشاهدة كرة القدم. ليس غضباً عابراً، بل” استياء حقيقي” من رجل رأى اللعبة في أبهى صورها، وعاشها على أعلى مستوياتها؛ حيث يقول: إنه يفتقد المراوغة، والجرأة، ومتعة اللعب، وإن ما يراه اليوم مجرد لاعبين ينفذون مهاماً برمجها حاسوب. كما خرج مدرب برايتون هورتسيلر ليقول بصوت عالٍ: إن أرسنال يستغرق أحياناً دقيقة كاملة لتنفيذ ركلة ركنية، وإن وقت اللعب الفعلي في بعض المباريات لا يتجاوز خمسين دقيقة. هذان الصوتان- وإن اختلفت منطلقاتهم- يلتقيان عند سؤال واحد: إلى أين تسير كرة القدم؟
كرة القدم، مثل أي ظاهرة إنسانية حيّة، لا تبقى ثابتة؛ فما نراه اليوم من نقاش حول إهدار الوقت، أو التحفظ التكتيكي، أو حتى المبالغة في التنظيم الدفاعي، ليس إلا جزءاً من دورة طبيعية تمر بها اللعبة كل عقد أو عقدين، فقد كان يُقال يوماً: إن كرة القدم الإيطالية “الكاتيناتشيو” تقتل المتعة، ثم جاء من حوّل الانضباط الدفاعي إلى فن، وحين ظهر الضغط العالي والتيكي تاكا مع جوارديولا، قال البعض: إنها تقضي على الارتجال، وتحوّل اللاعبين إلى قطع شطرنج، ثم اكتشفنا لاحقاً أن خطط جوارديولا نفسها تأثرت بحركة كرة السلة، بأسلوب الضغط الجماعي، وتبادل المواقع والفضاءات، واستعار منها مفاهيم وطبّقها على الملعب الأخضر، وفي الحقيقية أن ذلك يعد إثراءً للعبة.
ما يراه البعض اليوم مشكلة، قد يكون في الحقيقة مؤشراً على مرحلة تمهّد لتغييرات أكبر؛ فالمشكلة الحقيقية ليست في المدربين الذين يستغلون الثغرات، فهذا عملهم، ولا في النجوم الذين يحنون إلى زمن مضى، ولكني أرى أن المشكلة في الفيفا؛ الجسم التشريعي الأعلى للعبة، الذي يتحرك ببطء مخيف، حين يتعلق الأمر بتطوير القوانين؛ فالعالم يتغير بسرعة، والكرة تتغير معه، لكن المشرّع يسير على قدميه، بينما الجميع يركض.
الفيفا يعقد مؤتمراته ولجانه ويدرس ويتشاور سنوات، ثم يخرج بتعديل هامشي لا يمس جوهر المشكلة؛ فإهدار الوقت مشكلة عمرها عقود، والحل التقني موجود، والنقاش قائم، لكن الإرادة غائبة أو مؤجلة. هذا التقاعس هو ما يفتح الباب أمام كل فريق ليضع قواعده الخاصة؛ لأن القاعدة الموحدة؛ إما غائبة أو مطاطة بما يكفي لاستغلالها .
كرة القدم على مفترق طرق، والذين يشعرون بالضيق؛ كخوليت وهورتسيلر، ليسوا أعداء التطور، بل ربما هم أكثر من يشعر بأن الوقت قد حان لتغيير حقيقي، لا تغيير يجعل الكرة أقل متعة، بل تغيير يعيد لها وهجها المفقود لجميع الأجيال.
@MohammedAAmri
كرة القدم على مفترق الطرق
