نعيش مفارقة مهنية صامتة، لكنها آخذة في الاتساع. نطالب الجيل الجديد بأن يُحسن الحكم المهني، وأن يتخذ القرار الصائب، وأن يزن العواقب بعقل بارد، ثم نفعل-بهدوء تام-كل ما في وسعنا لحرمانه من التجربة، التي تصنع هذا الحكم أصلًا. نسلّمه أدوات ذكية، سريعة، واثقة، ونطالبه في الوقت ذاته بحكمة بطيئة لا تُولد إلا من الاحتكاك، والخطأ، وتحمل المسؤولية.
في زمن الذكاء الاصطناعي، لم تعد المشكلة نقصًا في المعلومات أو ضعفًا في الكفاءة. الإشكال أعمق من ذلك: غياب المساحة التي يتعلّم فيها الإنسان كيف يفكّر قبل أن يقرّر. الإجابات باتت جاهزة، لكن الأسئلة لم تنضج بعد. المخرجات لامعة، لكن العقول التي يُفترض أن تحاكمها لم تُختبر بما يكفي. ومن هنا يتسلّل القلق الحقيقي: هل نبني جيلًا أسرع في الإنجاز، وأفقر في الحكم؟
هذا السؤال لاحقني، بعدما قرأت مقالًا لافتًا في هارفارد بزنس ريفيو بعنوان “كيف يطوّر العاملون مهارة الحكم المهني في عصر الذكاء الاصطناعي” للكاتب ديفيد دنكان. مقال لا يقدّم إنذارًا تقنيًا بقدر ما يفتح نافذة على خلل بنيوي في الطريقة، التي نعيد بها تشكيل العمل والتعلّم معًا.
ينطلق دنكان من ملاحظة بسيطة. حين استخدم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في عمله الاستشاري، وجد أنها رفعت إنتاجيته؛ بوصفه صاحب خبرة أكثر مما رفعت إنتاجية زملائه الأقل تجربة. لم يكن السبب ذكاءً أعلى أو مهارة تقنية أعمق، بل امتلاكًا سابقًا للحكم: القدرة على توجيه الأداة، وتقييم ما تنتجه، والتمييز بين نتيجة “جيدة بما يكفي” وأخرى مضلِّلة، مهما بدا مظهرها مصقولًا.
على الضفة الأخرى، كان المحللون الجدد يُنتجون بسرعة، لكنهم يعجزون عن الحكم الهني على ما بين أيديهم. لا يعرفون أين الخلل، ولا كيف يُعيدون التوجيه، وأحيانًا لا يعرفون من أين يبدأون أصلًا. الذكاء الاصطناعي لم يُعوِّض نقص الخبرة؛ بل كشفه. لم يصنع الحكم، بل ضاعف أثر وجوده أو غيابه.
من هنا تتشكّل معضلة الجيل المهني الجديد. يُطلب منهم اليوم أن يراجعوا، ويقيّموا، ويوافقوا، ويُبدوا رأيًا في مخرجات تبدو مكتملة وواثقة. لكنهم حُرموا-من حيث لا نشعر-من المرحلة التكوينية التي كانت تصنع هذا الحكم تاريخيًا: البدء من صفحة بيضاء، المحاولة والخطأ، تحمّل مسؤولية قرارات صغيرة، والتعلّم البطيء من عواقب حقيقية.
الحكم المهني، كما يوضحه دنكان، ليس مهارة تقنية تُدرَّس، ولا إجراءً يُختصر في دليل. هو القدرة على التصرّف حين لا تكفي القواعد وحدها: فهم السياق، موازنة المفاضلات، توقّع العواقب، واتخاذ القرار تحت عدم اليقين. هذه القدرة لا تتكوّن من مراجعة عملٍ جاهز، بل من خوض التجربة، ومن الفشل، ومن تحمّل تبعات القرار.
غير أن الذكاء الاصطناعي يغيّر بنية العمل نفسها. المهام “الفوضوية” التي كانت طقوس عبور مهنية-البحث اليدوي، الصياغة الأولى، النقاشات-باتت تُنجز في دقائق. الموظف الجديد لا يكتب، بل يراجع. لا يصارع الفكرة، بل يُهذّبها. يقلّ خطؤه، لكن يقلّ تعلّمه أيضًا.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر.. المؤسسات تحتاج اليوم إلى حكم مهني بشري أكثر من أي وقت مضى، لكنها في الوقت ذاته تُضعف الشروط التي تُنتجه. المديرون يشكون من أعمال تبدو ممتازة على السطح، لكنها تفتقر إلى العمق. تقارير لامعة، عروض أنيقة، ونصوص واثقة… بلا روح قرار. المشكلة ليست في الأداة، بل في الإنسان الذي لم يُمنح الوقت ليصير صاحب حكم.
هذا الخلل لا يظهر دفعة واحدة؛ إنه تراكمي. جيل يتقدّم في السلم الوظيفي دون المرور بمحطات التعلّم الأساسية، ليجد نفسه لاحقًا أمام قرارات مصيرية في بيئة يغلب عليها الغموض. عندها فقط ينكشف الفراغ.
ويبقى السؤال مفتوحًا-موجّهًا لأهل الخبرة في العمل، وللجيل الجديد معًا: كيف نصمّم بيئات عمل تُحسن استخدام الذكاء الاصطناعي دون أن تُقصي التجربة التي تصنع الحكم؟ وكيف نمنح الجيل القادم حقّ الخطأ… قبل أن نطالبه بحُسن القرار؟.
حكمة بلا تجربة
