في كل مكان عمل تقريبًا، هناك شخص واحد يسبق الآخرين بخطوتين. يلتقط ما لا يراه أحد، يشير إلى الخطر قبل أن يتحول إلى أزمة، ويقترح الحل قبل أن ينتهي النقاش. وجوده يُفترض أن يكون مكسبًا. لكن الواقع يقول شيئًا مختلفًا: غالبًا ما يكون مصدر توتر لا يُقال.
ليس لأنه سيئ. وليس لأنه متعمد. بل لأنه – في معظم الأحيان – على حق.
هنا تبدأ معضلة “العبقري المزعج”، ذلك الشخص الذي يجمع بين الذكاء الحاد والأسلوب الخشن. المؤسسات تحتاجه، لكنها تدفع ثمنه بصمت. الزملاء يتجنبونه، الاجتماعات تصبح أكثر حذرًا، والأسئلة تُبتلع قبل أن تُقال. الكفاءة موجودة، لكن الراحة غائبة.
الكتاب الذي تناول هذه الظاهرة بوضوح لافت، The Brilliant Jerk Conundrum، لا يقدّم العبقري المزعج كشرير تقليدي، بل كنتاج طبيعي لثقافة عمل تكافئ النتائج وتغضّ الطرف عن الطريقة. فطالما أن الأرقام جيدة، والهدف يتحقق، لا أحد يريد التوقف عند التفاصيل الصغيرة مثل “الأسلوب” أو “الأثر النفسي”.
لكن هذه التفاصيل الصغيرة هي، في الحقيقة، ما يصنع الفرق بين فريق يعمل… وفريق يصمد.
العبقري المزعج لا يفتقر إلى المهارة، بل يعاني من فائضها. ينجز بسرعة، يتحدث بثقة، ويدفع الأمور إلى الأمام دون تردد. المشكلة أنه غالبًا ما يرى النقاش عائقًا، والتريث ضعفًا، والاستماع رفاهية. ومع الوقت، تتحول هذه القناعات إلى سلوك يومي، ثم إلى ثقافة غير مكتوبة مفادها أن الخطأ غير مسموح، وأن السؤال قد يُحسب عليك.
في عالم التقنية والهندسة، كثيرًا ما يُبرَّر هذا النموذج. كم مرة تجاهلت الفرق تحذير شخص واحد، ثم اكتشفت بعد أشهر من العمل المضني أنه كان محقًا؟ وكم مرة سخرنا من الحديث عن المعايير والحوكمة، قبل أن تنهار الأنظمة عند أول توسع؟ أحيانًا، الصوت المزعج هو صوت الخبرة. لكن المشكلة ليست في الصوت… بل في نبرته.
ولعل التاريخ الحديث للشركات الكبرى يقدّم أمثلة صريحة على هذه المعضلة. فـ ستيف جوبز، الذي غيّر علاقتنا بالتقنية والتصميم، كان معروفًا بحدة طباعه، وقسوته في الاجتماعات، وعدم تسامحه مع ما يراه “حلولًا متوسطة”. كثيرون ممن عملوا معه وصفوه بالملهم… والمرهق في آن واحد. عبقريته صنعت منتجات أيقونية، لكنها خلّفت أيضًا بيئة عمل لا يحتملها الجميع.
الأمر ذاته يمكن قوله عن جيف بيزوس، الذي بنى واحدة من أعقد الآلات التنظيمية في العالم. تركيزه الهوسي على العميل، وسعيه الدائم للكفاءة القصوى، جعلا أمازون نموذجًا للانضباط والابتكار، لكنه في الوقت نفسه خلق ثقافة عالية الضغط، حيث لا مكان للبطء أو الأعذار. بيزوس لم يكن ظالمًا بقدر ما كان غير صبور على أي شيء لا يواكب رؤيته.
أما إيلون ماسك، فهو المثال الأوضح للعبقري الذي يعيش دائمًا في المستقبل. سرعة تفكيره، وحدّة توقعاته، وقدرته على دفع فرق كاملة لتجاوز ما كان يُعتقد أنه مستحيل، جعلته محركًا لثورات صناعية حقيقية. لكنها في الوقت ذاته جعلته قائدًا مثيرًا للجدل، تتأرجح فرق العمل معه بين الإلهام والإرهاق.
هذه الأمثلة لا تُذكر لتجريم أصحابها، بل لتوضيح حقيقة غالبًا ما نتجنبها: أن العبقرية، حين لا تُدار، قد تفرض ثمنًا إنسانيًا باهظًا. هؤلاء القادة لم ينجحوا رغم حدّتهم فقط، بل أحيانًا بسببها. غير أن نجاحهم لم يستقر إلا عندما وُضعت حولهم أنظمة، أو فرق قوية، أو قدر من النضج الشخصي خفّف من أثر “العبقري المزعج” دون أن يطفئ جذوة العبقرية نفسها.
عندما يُقدَّم الذكاء بحدة، يبدأ الفريق في الانكماش. لا لأن أفراده أقل قدرة، بل لأنهم أقل أمانًا. تقل المبادرات، تختفي الأسئلة، ويتحول النقاش إلى الحد الأدنى الضروري. وهنا المفارقة المؤلمة: الشخص الذي كان من المفترض أن يرفع مستوى الفريق، يصبح سببًا في بطئه.
الأكثر تعقيدًا أن العبقري نفسه قد لا يلاحظ ما يحدث. فالتقدير المستمر، والاعتماد المتكرر عليه، والتقييمات العالية، قد تخلق شعورًا غير معلن بالتفوق. يبدأ في الإحساس بأنه يحمل الفريق وحده، وأن الآخرين يعيقون التقدم. ومع هذا الشعور، يتسلل الإحباط، ثم الاستعلاء، حتى دون قصد.
جوهر الكتاب لا يدعو إلى إقصاء هؤلاء، ولا إلى ترويضهم بالقوة. على العكس، هو يدعو إلى إدارتهم بذكاء: إلى وضع حدود واضحة للسلوك، وربط التأثير بالتعاون لا بالسيطرة، وتقديم تغذية راجعة لا تحتفي بالنتائج فقط، بل بالطريقة التي تحققت بها.
العبقرية الحقيقية لا تحتاج إلى رفع الصوت. ولا إلى الفوز بكل نقاش. ولا إلى إثبات الصواب في كل مرة.
هي تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تترك مساحة للخطأ والتعلم. وهي تفهم أن الفريق الذي يشعر بالأمان قد يتباطأ أحيانًا… لكنه يصل أبعد.
ربما السؤال الأهم ليس: كيف نتعامل مع العبقري المزعج؟ بل: لماذا ما زلنا نكافئ الذكاء حين يكون مكلفًا إنسانيًا؟
عندما يكون الأذكي هو العائق
