في أوقات الأزمات والاضطراب، يميل الأفراد بطبيعتهم إلى البحث عن الأمان قبل الحل، وعن الاحتواء قبل النصيحة. لهذا نلاحظ أن كثيرًا من الأفراد يتوجهون إلى فرد معيّن دون غيره عندما تتعقد مشكلاتهم، وكأن هذا الشخص يتحول في وعيهم إلى نقطة ارتكاز نفسي، لا مجرد مستمع أو ناصح.
غالبًا لا يكون السبب هو امتلاك هذا الفرد لحلول خارقة، بل لأنه يمنح شعورًا نادرًا بالفهم. الإنسان حين يتألم لا يريد من يُصلح الموقف بقدر ما يريد من يراه دون أحكام، ويسمعه دون تقليل ويتعامل مع ضعفه كحالة إنسانية لا كخطأ. هذا الإحساس بالأمان العاطفي يجعل العقل أكثر استعدادًا للبوح، وأكثر ثقة في التوجيه.
كما أن التجارب السابقة تلعب دورًا كبيرًا في هذا التوجه. عندما يمر الشخص بمحنة، ويجد من يقف معه بصدق تتكون رابطة نفسية عميقة تُخزَّن في الذاكرة العاطفية. ومع تكرار الأزمات يصبح هذا الفرد هو الخيار الأول، لأن العقل يربطه تلقائيًا بالنجاة والطمأنينة.
ومن جهة أخرى، قد يعكس هذا السلوك حاجة داخلية للاعتماد أو رغبة في مشاركة من أحدهم في مواجهة الحل وأحيانًا لا نبحث عن الحل بل عن من يتحمل معنا ثقل القرار. وهنا تتحول العلاقة من طلب دعم صحي إلى نوع من الاتكالية النفسية إذا لم تكن واعية ومتوازنة.
ولا يمكن إغفال أن بعض الأشخاص يمتلكون قدرة فطرية على الاحتواء وذكاءً عاطفيًا، يجعل الآخرين يشعرون بأنهم مسموعون ومقدَّرون وهؤلاء لا يفرضون آراءهم؛ بل يفتحون مساحة للتفكير، فيرى صاحب المشكلة طريقه بنفسه.
إن اللجوء إلى شخص واحد ليس خطأ بحد ذاته، لكنه يصبح أكثر صحة عندما يكون خطوة ضمن شبكة دعم أوسع، لا بديلاً عن تنمية الوعي الذاتي والقدرة على اتخاذ القرار. فالمساندة الحقيقية لا تصنع التبعية، بل تساعد الإنسان على الوقوف بثبات على قدميه.
fatimah_nahar@
