مقالات الكتاب

الوجه الآخر للاحتراف الزائف

لم يبدأ الألم بقرار إداري، بقدر ما بدأ بقصة إنسانية في ظاهرها، ثقيلة في معناها. صديق جلس أمامي يتحدث بكلمات تحمل إرهاقًا داخليًا لا يحتاج إلى شرح. لم يكن غاضبًا، بل بدا كمن يحاول أن يفهم ما حدث أكثر من كونه يسعى إلى الشكوى. كان قد تعرّض لإجراء إداري وصفه بالمجحف، اتخذه بحقه مديره في العمل، الذي لم يكن بالنسبة له مجرد مسؤول إداري، بل صديقًا قديمًا. التفاصيل، في هذه الحالة، ليست هي الأهم. ما يستحق التوقف هو الطريقة التي اتُّخذ بها القرار، والسياق الإنساني الذي غاب عنه تمامًا. فالعلاقة بين الطرفين لم تكن علاقة عمل بحتة، بل امتدادًا لسنوات من الثقة، والعمل بروح الفريق، والاحترام المتبادل. استند المدير إلى هذا الرصيد المعنوي، وإلى حسن النية، ليمرر قراره كما لو كان إجراءً روتينيًا لا يستدعي التفسير أو التوقف. لكن اللحظة التي تركت الأثر الأعمق لم تكن في القرار نفسه، بل في الجملة التي قيلت بعده ببرود: “الأمر ليس شخصيًا… إنه مجرد عمل”. لم تُقَل هذه العبارة من مدير إلى موظف، بل من صديق إلى صديق. عندها لم يكن الضرر مهنيًا فقط، بل إنسانيًا، وكان الانكسار حقيقيًا. هذه العبارة، التي تُستخدم اليوم بكثرة في بيئات العمل، لم تنشأ في عالم الإدارة أو في أدبيات القيادة الحديثة. جذورها تعود إلى سياق أكثر قسوة، ظهر بوضوح في فيلم “العرّاب” عام 1972، المقتبس من رواية ماريو بوزو. في أحد مشاهده الشهيرة، يبرر مايكل كورليوني قراره العنيف بجملة أصبحت لاحقًا رمزًا ثقافيًا: “It’s not personal. It’s strictly business”. في سياقها الأصلي، لم تكن هذه العبارة تعبيرًا عن احتراف أو عقلانية، بل وسيلة لفصل الفعل عن الضمير، وتبرير القتل بوصفه معاملة تجارية. المفارقة أن هذه الجملة انتقلت لاحقًا إلى عالم الأعمال بعد أن فقدت سياقها الدموي، لكنها احتفظت بجوهرها الأخلاقي المقلق. فهي تُستخدم اليوم لتخفيف وطأة قرارات قاسية، أو لتبرير ممارسات تفتقر إلى العدالة، أو للتهرب من مواجهة الأثر النفسي الذي تتركه هذه القرارات في الآخرين. تبدو العبارة محايدة، لكنها في حقيقتها تنزع عن القرار أي مسؤولية إنسانية. في بيئات العمل، من الطبيعي أن تحدث خلافات، وأن تُتخذ قرارات صعبة. غير الطبيعي هو أن تُستخدم لغة “الاحتراف” غطاءً للقسوة، أو أن تتحول “مصلحة العمل” إلى مبرر لتجاهل الكرامة الإنسانية. الاحترافية لا تعني البرود، والحزم لا يعني الإيذاء، والقيادة لا تُقاس بقدرة صاحبها على الاختباء خلف عبارات جاهزة. الحقيقة التي كثيرًا ما يتم تجاهلها هي أن العمل، في جوهره، علاقة بين بشر. المؤسسات، مهما بلغ حجمها، لا تُدار بالأرقام وحدها، بل بالأشخاص الذين يعملون داخلها. لا وجود فعليًا لما يُسمى “قرارًا غير شخصي” حين يكون المتأثر به إنسانًا له مشاعر وذاكرة وتجربة. حتى أكثر القرارات عقلانية تترك أثرًا عاطفيًا لا يمكن إنكاره. حين يقول مدير: “ليس شخصيًا، إنه عمل”، فهو في الغالب لا يفصل بين القرار والمشاعر، بل يفصل نفسه عن المسؤولية الأخلاقية. والأسوأ أنه يحوّل العلاقة الإنسانية إلى معادلة جافة: نتائج مقابل أرقام، دون اعتبار لما يُكسر من ثقة، أو ما يتآكل من شعور بالانتماء. تجارب كثيرة في عالم القيادة تشير إلى أن تجاهل البعد الإنساني هو المدخل الأول لتآكل الفرق والمؤسسات. حين يغيب التعاطف، يسود الخوف. وحين يغيب الأمان النفسي، يتراجع الالتزام. الثقافة المؤسسية لا تُبنى بالشعارات، بل بالقرارات اليومية، خاصة في اللحظات الصعبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *