اجتماعية مقالات الكتاب

ثلاثون شمسا من الطمأنينة

لكل دولة تقويمها السنوي الذي يتناسب مع دستورها والشعب، فبعضها تعتمد التاريخ الميلادي، وأخرى الهجري، ودولٌ أخرى تستخدم التقويم الصيني إلى أخره.

لكن حين يحل شهر رمضان المبارك، فإنه يوحد الأرض والأيام تحت مظلة الصيام وكأنها دولة واحدة لا تفصلها حدود أو خرائط، بالرغم من اختلاف العادات في استقباله، أو تقاليد الاحتفاء به.

في رمضان روحانية تظلل العالم كسحابة ممطرة بالطمأنينة، تبدأ من السحور حتى سفرة الإفطار التي تتحلق حولها العائلة وشاشة التلفاز على الكعبة المشرفة مستمعين للدعاء بهدوء، يتخلل ذلك الأحاديث والنقاشات فيما بينها في انتظار وقت الأذان في بعض البقع الجغرافية، فيما في أماكن أخرى قد تناول إفطاره ويشارك البقية النظر لذات اللقطة على الشاشة.

واليوم ونحن في النصف منه، يتكرر روتين كل عام المحبب للقلب، تزيين البيوت لاستقباله، وسفر الطعام التي يشترك فيها كل أهل الحي، وتبادل صحون الإفطار بين الجيران- والمحزن أن هذا الروتين بدأ في الاندثار، واستقبال الضيوف على الإفطار، فالبرغم من التململ من هذه العادة عند البعض إلا أنني أكاد أجزم أن في تجهيز سفرة مملوءة بأصناف متعددة من الاطباق اللذيذة لها متعة لا تضاهيها بقية شهور العام.

ثم تبدأ مرحلة التسابق للأسواق، والتوتر الذي يحدث عندما لا يكون هناك ما يناسب الذوق في الملابس، حتى تصل لمرحلة الانزعاج، حتى لو كان هناك، فإن لروتين العيد سعادة في التجهز له، أو حتى في التحدث عنها مع الآخرين.

أحب في شهر رمضان التسكع في الشوارع ورؤية المنازل التي تزينت لاستقباله، وخصوصًا أنني من سكان مدينة جدة؛ لذلك أحرص على زيارة الأماكن التاريخية فيها، وحضور الكرنفالات التي تقام في لياليه والاستماع للقصص والحكايات، حتى لو كنت قد سمعتها سابقًا فإن لها وقعًا خاصاً في تلك الأماكن التي تحمل التاريخ خلف الأبواب وأسطح المنازل، بالإضافة للتحدث مع الغرباء الذين يكونون مبتسمين طيلة الوقت، فهم في شهر فضيل لا مكان للغضب فيه.

لكن أهم من ذلك، وما أحبه حقًا في شهر رمضان هو العبادات فيه، فمنذ إعلان دخوله، تعمر السكينة كل القلوب، يصدح صوت القرآن الكريم والصلوات في المنازل والشوارع وحتى مراكز التسوق، في رمضان نسمع سين التسبيح من الأفواه طيلة الوقت، نتسابق لختم القرآن طمعًا في مضاعفة الأجر، نشارك الآخرين الرحلة لأداء مناسك العمرة، نتفاجأ برسائل من أصدقاء أشركونا معهم في الصداقات. في هذا الشهر ندعو الله طيلة الوقت، ونعلم أنه قريب ويستجيب. وحتى ينتهي شهر رمضان المبارك لا نتوقف عن التهنئة به، وكأن يومه الأول لم يبدأ بعد.

i1_nuha@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *