اجتماعية مقالات الكتاب

فضفضة

ركب الطائرة متأخرًا وجلس بمقعد قريب من النافذة، وكان بجواره رجل يظهر عليه الوقار والسمت الحسن، تبسَّم في وجهه، فردّ عليه بابتسامة أجمل منها، وما هي إلا دقائق، ربطت الأحزمة وأقلعت الطائرة.

وعند استقرار الطائرة في الأجواء، حاول أن يتحدث مع الرجل الذي بجواره، لكي يُسلّي نفسه ويتعرف إليه، فالسفر سوف يستغرق ما يقارب السبع ساعات حتى الوصول.

تطرّق في البداية إلى سبب تأخره عن صعود الطائرة، فقد كانت الأجواء ممطرة والطريق مزدحما بالسيارات، وإجراءات المطار صارمة بشكل كبير، ثم تحدث عن أنه يشتاق لأسرته، وهذا ما جعله يحرص على السفر، فهو مسؤول عن أطفال منهم ابن في سن المراهقة، وزوجته المريضة التي تحتاج لوقوفه معها خلال الفترة القادمة، وكان الرجل الآخر ينظر إليه ويبتسم ويقوم بإيماءات لكي يواصل الحديث فلم يقاطع ولو للحظة، فاسترسل صاحبنا في الحديث.

بدأت الطائرة في الهبوط وأوشكت الرحلة على الانتهاء، وفي تلك اللحظات شكر -بكل امتنان- الرجل الذي بجواره لحسن استماعه الحديث طوال هذه المدة، لكن كانت المفاجأة، أخذ الرجل ورقة وكتب فيها: أنا سعيد بك، كنت أتمنى أن أستمع لما تقول لكنني أصم وأبكم، فأخذ الورقة وردّ عليه بأنه محظوظ، فقد كانت أجمل رحلة في حياته.

احيانا نحتاج إلى شخص يستمع لنا حينما نتحدث عن المشاعر التي بداخلنا سواء كانت أفراحًا أم أحزانًا، فقد تمر بنا أوقات لا نحتاج فيها لمن ينصحنا أو يرشدنا بل من يتقبلنا بجميع حالاتنا ويستمع إلينا، وقد قال نزار قباني: «أنت محظوظ جداً إن كنت تملك شخصاً تحكي له تصرفاتك السيئة دون أن يفكر بأنك شخص سيئ، لأنه يعرف جيداً أن الذي بداخلك أنقى وأجمل”.

فاصلة:
إن الفضفضة تريح النفس من أثقالها عكس الكبت الذي هو القاتل البطيء، فهذا يعقوب -النبي الكريم- لم يكبت همه وشكى إلى ربه ما يجد، فقال: “إنما أشكو بثي وحزني إلى الله”، يقول شين كوفي: “تذكر أن المشاعر التي لا يتم التعبير عنها لا تموت أبداً ، إنها تدفن حية ثم تطفو فيما بعد بطرق أكثر قبحاً، عليك أن تعبر عن مشاعرك وإلا فإن تلك المشاعر سوف تأكل قلبك”.
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *