اجتماعية مقالات الكتاب

القيم الإنسانية وفخ العولمة

لا شك أن هناك مجموعة من القيم الإنسانية المشتركة التي يسعى البشر جميعًا للمحافظة عليها كالتسامح والعدالة والتعايش وقبول الآخر وغيرها، وتشكِّل منظومة القيم السائدة في أي مجتمع إنساني دعامة راسخة تحفظ بقاءَه واستمراريته، وإلى عهد قريب كان لكل مجتمع من المجتمعات البشرية منظومة القيم التي تميزه عن غيره، رغم وجود قواسم مشتركة وثوابت أساسية بين الجميع: مثل حماية الأسرة، واحترام الوالدين، وغير ذلك من أسس وركائز الاجتماع البشري.

لكن مع مطلع تسعينات القرن الميلادي الماضي هناك محاولات لنشر منظومة قيمية مغايرة لا تحترم شكل الأسرة المعروف، وكأن الله تعالى لم يخلق الإنسان ذكراً أو أنثى!! وعلى مدى نحو ثلاثة عقود يُراد لهذه المنظومة القيمية الغريبة أن تسيطر على جميع شعوب العالم، لكن تغيير القيم في أي مجتمع ليس عملية سهلة؛ إذ تمر صناعة التغيير الاجتماعي والثقافي في مختلف الشعوب بمراحل عديدة يتم خلالها تطويعها وترويض أبنائها ليتقبلوا مع الوقت منظومة قيمية مغايرة لما ألفوه وما تربوا عليه!! وهذا ما يجري منذ نحو ثلاثين سنة تقريبا، حيث تُطرح أفكار خطيرة تمس صميم القيم والأخلاق، وتتبنى منظومة قيمية تخالف ما استقرت عليه البشرية طوال تاريخها، من خلال طرح رؤى مغايرة تدعو بشكل صادم لفكرٍ متحرر يعارض منظومة القيم الإنسانية والأخلاقية التي تحترمها معظم شعوب العالم.

ومن أبرز المفاهيم التي تدعو لها المنظومة القيمية الجديدة مفهوم الجندر، وما يرتبط به من الهوية الجندرية التي يزعم مروجوها أن الإنسان يولد نوعًا إنسانيًّا واحدًا وليس مصنَّفًا إلى (ذكرٍ وأنثى) وأن المجتمع هو الذي يقوم بهذا التصنيف تحت تأثير العوامل التربوية والنفسية والاجتماعية المختلفة!! ويدعو أنصار هذه الثقافة الغريبة إلى التوقف عن ممارسة هذا التأثير الذي يتحدد بموجبه النوع الإنساني، وفي وجهة نظرهم يجب أن يتعرض جميع الأطفال في سني الطفولة المبكرة لمؤثرات تربوية واحدة، ثم بعد ذلك يختار كل إنسان لنفسه ما يريد من توجه جنسي معين عندما يكبُر!! وخطورة هذه الأفكار الصادمة أنها لم تظل مجرد أفكار محدودة على هامش الحياة، بل تتبناها جهات معينة وتحاول فرضها على شعوب العالم بطرق ثقافية متنوعة، حيث تسلك كل السبل لإدماج هذه الأفكار المضلِّلَة في حياة الناس بصورة أو بأخرى من خلال الأفلام والدراما، والموسيقى، والبرامج الإعلامية، والندوات والمؤتمرات والاجتماعات، وما ينشأ عن كل ذلك من حراك ومطالبات تدعو إلى جعل هذه الثقافة واقعًا مُعاشًا عبر نشر مفاهيم الهوية الجندرية، والثقافة الجنسية بين المراهقين، وما يرتبط بها من كلام عما يسمونه حرية ممارسة الحقوق الجنسية، والحمل، والإجهاض، وغير ذلك. وقد أدَّى استشراء مفهوم الجندر إلى وقوع القيم الإنسانية في فخ عولمة القيم، وتحت هذا القناع الخادع يتم زعزعة المجتمعات المختلفة والعبث بنسيجها الاجتماعي دون وعي، وهو ما يشكل تهديدًا حقيقيًّا، وبذريعة العولمة تتوالى الدعوات لممارسة أنماط ثقافية غريبة تكاد تعصف بالعالم في كل اتجاه!!
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *