اجتماعية مقالات الكتاب

الرافعي أديب العربية

من أبرز أدباء العربية في العصر الحديث (مصطفى صادق الرافعي) الذي وصفه الباحثون بأنه زعيم المذهب البياني الكلاسيكي في الأدب العربي الحديث، كان كاتبًا مبدعًا، وشاعرًا مُجيدًا، وناقدًا متحمسًا، انكبَّ في سنٍّ مبكرة على مكتبةِ والده الكبيرة واستوعبها وحوى عقله ما فيها من فكر ومعرفة وثقافة واسعة، وعكف على كتب التراث العربي قراءةً وحفظًا ونهل من معينها الصافي بكل ما فيه من نجابة وذكاء فطري حاد، فتأثر بهذا التراث الخالد، واكتسب أدبًا فريدًا وشاعريّة فياضة، وكانت ثقافته العريضة ثقافة عربية أصيلة مرتبطة بما استوعبه من فرائد الأدب العربي وعيون شعره النفيس، فأخذ من نوابغ العلماء والمفكرين من كل العصور، مثل: الجاحظ، وابن المقفع، وابن قتيبة، وأبي حيان التوحيدي، وغيرهم.

اهتمَّ الرافعي باللغة العربية اهتمامًا كبيرًا، فاللغة عنده ليست مجرد وسيلة للتواصل ووعاء للفكر، بل هي رابطة الأمّة العربيّة، وعنوان عزّها، وهي أفصح اللغات وأبلغها، ودعا للاعتزاز باللغة العربية والتمسك بها فما ذلّت لغة قومٍ إلا ذلوا، ولا انحطّت إلا كان أمرهم في ذهاب وإدبار، وكان يقول: “ليس في العالم أمّة عزيزة تُقدِّم لغة غيرها على لغتها، ولولا العربيّة التي حفظها القرآن على الناس وردّهم إليها، وأوجبها عليهم، لما اطّرد التاريخ الإسلامي، ولا تراخت به الأيام إلى ما شاء الله، ولما تماسكت أجزاء هذه الأمّة”.

قاد الرافعي معارك فكرية صاخبة مع خصوم اللغة العربية، كانت خيرًا وبركة على التراث العربي أدبًا وفكرًا وشعرًا، وكانت عظيمة النفع بالغة الأثر، ومن أبرز المعارك الأدبية واللغوية التي خاضها أنه انبرى لأحمد لطفي السيد حين دعا عام 1912م إلى إعلاء شأن اللهجات العاميّة، والدَّفْع بها لتكون لغة الكتابة الرسمية المستخدمة في الكتابة والصحف، وأشار إلى أن الهدف النهائي من ذلك هو تمزيق اللغة العربيّة إلى لهجات إقليميّة. كما رد الرافعي على (سلامة موسى) عندما حمَل على العربيّة في كتابه (اليوم والغد)، ورد على الدكتور طه حسين بعد نشر كتابه (في الشعر الجاهلي) سنة 1926م في كتاب عنوانه (تحت راية القرآن).

احتذى الرافعي بلغاء العرب، وفحول الكتّاب المتقدّمين، وارتاض ببلاغتهم في التعبير جزالة اللفظ وجودة السبك، وكان ناقدًا عنيفًا حاد اللسان، لا يعرف المجاملة ولا المداراة، وله في النقد بحوث قيّمة، وتحاليل تدل على دقّة نظره وحسن بيانه، ومقدرته الرائعة على تمحيص الأمور وغربلتها جيدًا، وجلاء حقائقها، ونراه في نقده جزلًا قويًّا ومحلِّلًا بصيرًا، ومدافعًا بشراسة أحيانًا عما يعتقده، وقد رسم معالم النقد العربي الحديث من ناحيتي المبنى والمعنى.

من أبرز مؤلفات الرافعي: (تاريخ آداب العرب) في ثلاثة أجزاء ونال به شهرة واسعة في عالم الكتابة، و(حديث القمر)، و(وحي القلم)، و(رسائل الأحزان)، و(السحاب الأحمر)، و(أوراق الورد).
عمل الرافعي كاتبًا في المحاكم الشرعيّة المصريّة، وكان زوجًا فاضلًا مُحبًّا، وأبًا عطوفًا رؤومًا، تَغلب عليه رقة القلب، وشدّة التأثر العاطفي، وكان معتدًّا بنفسه، شديدَ الاعتزاز بها، عاش فقيرًا عفيفَ النفس، وأصيب بالصمم الكامل وعمره ثلاثون عامًا؛ فانقطع عن الناس بسبب مرضه، ومات وهو في السابعة والخمسين من عمره.
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *