اجتماعية مقالات الكتاب

من ينتصر العلم أم كورونا؟

ندرك تماما لما للعلم من اهمية في حياة الإنسان وخاصة الإنسان المسلم، ففي فضل العلم والإنسان المتعلم جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على طلب العلم، قال تعالى (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب). وفي السيرة النبوية، وفي حديث صححه الألباني، عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلم). أدرك تماما. إن هناك العديد من الآيات القرانيه و الأحاديث النبوية التي تدل على اهمية العلم و التعلم في حياة الإنسان. نعم، بالعلم يقاس تقدم الأمم و بالعلم ترتقي الأمم في حضاراتها و ثقافاتها و بالعلم نستطيع الانتصار على الجهل و المرض و الضعف و التخلف وهم كم نعلم أعداء ازليين للبشرية جمعاء. وعلى مدار التاريخ البشري سواء كان القديم منه او الحديث، استطاع الإنسان (وبفضل من الله) ان يرتقي درجات العلم في شتى العلوم البشرية، أدبية كانت أم علمية، قال تعالي (علم الإنسان مالم يعلم).

ففي مجال العلوم البشرية (و ساركز هنا على العلوم الطبية)، استطاع الإنسان أن يتعلم الكثير والكثير في العلوم الطبية مثل الطب والصيدلة و العلوم الطبية الأخرى (وهي عديدة)، مثلا، في مجال الطب، استطاع الإنسان أن يتعلم كيف يعالج ويطبب نفسه من العديد من الأمراض الفتاكة والتي كانت تجتاح الجسم البشري وتسبب الوفاة والهلاك. استطاع ان يعرف مكنونات الجسد البشري من خلايا وانسجة ووظائف للعديد من الأعضاء التي بداخل الجسم البشري. وعلم أيضا، كيف تهاجم الأمراض تلك الأعضاء البشرية و تسبب لها العلة المرضيه.

وفي العلوم الصيدلانية، استطاع الإنسان أن يتعلم صناعة الدواء من صناعة وتركيب للعديد من المركبات الدوائية والتي في حالة استخدامها تمكنه من التغلب على الداء، وفي هذا الشأن استشهد بالحديث النبوي بشأن الداء والدواء، للحاكم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله لم ينزل داء -أو لم يخلق داء- إلا أنزل -أو خلق- له دواء. علمه من علمه، وجهله من جهله، إلا السام» قالوا: يا رسول الله وما السام؟ قال: الموت (انتهى) . أما بالنسبة للعلوم الطبية الأخرى وهي عديدة كما ذكرت سابقا، فقد استطاع الإنسان أن يتعلم تشريح الجسد البشري و التعرف على مكنوناته العضوية من أعضاء و أجهزة، و تعلم ايضا واكتشف بالعلم الكائنات التي تعيش معنا في هذا الكون خاصة تلك الكائنات التي لا ترى بالعين المجردة و اطلق عليها اسم الكائنات الدقيقة من بكتيريا و فيروسات و غيرها (أدرك تماما ان الحديث في هذا الشان سيطول وساتوقف هنا).

و ها نحن الآن في هذا العصر الحديث، و البشرية جمعاء، تعاني أشد المعاناة من انتشار عدوى هذه الجائحة الفيروسية و المعروفة بجائحة كورونا الجديدة (كوفيد-19) يقف العلماء و بكل ما امتلكوه من علوم طبية بشرية وفي شتى المجالات العلمية الاخرى (علم الفيروسات، المناعة، الوبائيات ومكافحة العدوى) في حيرة من أمرهم وتخبطا شديدا في كيفية التغلب على هذا العدو غير المرئي! ويجدون أنفسهم امام حل واحد فقط يجب اللجوء اليه في التغلب على هذه الجائحة والمتمثلة في اجراء الحجر و العزل التام للمجتمع المصاب بالجائحة. وهذا الإجراء ما أشارت اليه الأحاديث النبوية الشريفة قبل أكثر من ألف واربعمائة عام هجري. حيث وردت أحاديث نبوية تدل انه يجوز منع الإنسان المبتلى بمرض معدٍ من السكن بين الاصحاء ولا يجاور الاصحاء، ففي الحديث عن أسامة بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الطاعون فقال: (بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها)، وفي حديث اخر ذكر انه قدم رجل مجذوم ليبايع النبي، فأرسل اليه النبي بالبيعة و لم يأذن له بالدخول الى المدينة.

باختصار، لقد تعلم الإنسان ومن خلال هذه الجائحة النازلة العديد من الدروس والفوائد (لست في مجال للحديث عنها)، ولكن أدرك تماما (ومن وجهة نظري) ان الانسان ومن خلال ما اصاب البشرية من اوبئة وجائحات فتاكة سابقة، استطاع وبما اعطاه الله من علم في هذا الشأن، ان يقلل من اثار الهجوم الفتاك لتلك الكائنات غير المرئية (وذلك مقارنة بإعداد المصابين والوفيات). نعم، قال تعالى (وخلق الإنسان ضعيفا).
استشاري العدوى و المناعة
مستشفى مدينة الحجاج بالمدينة المنورة
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *