المحليات

إدمان التقنية يقوض عش الزوجية

تحقيق – ياسر بن يوسف

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي بمثابة زلزال عنيف يهدد الاستقرار الأسري والحياة الزوجية، ومع التقدم المضطرد لهذه الوسائل وغياب الضوابط العامة وانعدام المسؤولية بين الأزواج، فإن هذه المواقع، تتسبب في الكثير من المشكلات الزوجية ووقوع أبغض الحلال إلى الله، كما أن تنوع وسائل التواصل الاجتماعي وسرعتها سهّل تداول الأفكار بأنواعها وفي جو يوفر السرية التامة في ظل أرضية بالخلافات الزوجية، حيث تجد أحد الشريكين منهمكا في التعاطي مع وسائل التواصل متناسيا المهام المنوطة به وبالتالي تكون حصيلة ذلك حدوث الطلاق.

شجار

” البلاد ” حاولت معرفة أسباب تزايد حالات الطلاق في السنوات الأخيرة بشكل لافت، وعلاقة ذلك بانغماس أحد الزوجين في مواقع التواصل الاجتماعي على حساب الحياة الزوجية وإمكانية وقف تطور تلك الخلافات الزوجية بسبب إدمان التقنية وطلب الزوجة خاصة للطلاق، لأن زوجها مدمن متابعة تلك المواقع حتى أصبح ذلك مشهداً مألوفاً، عرف طريقه إلى أروقة المحاكم، من خلال قضايا تحوي ملفاتها الكثير من الأوراق، التي تشير إلى تفاصيل أكثرها غريب، وجديد على المجتمع.

فى البداية تقول هتون صالح مطلقة منذ سنتين وأم لثلاثة أطفال: مواقع التواصل الاجتماعي دمرت بيتي، وأثناء انشغالي بتربية أبنائي وأعمال المنزل كان زوجي منهمكا بمواقع التواصل الاجتماعي والتي سهلت له إقامة علاقات مجهولة وإهماله لي ولأولاده ، وكانت النتيجة شرخا كبيرا في العلاقة الأسرية.

وفي السياق نفسه قال باسم مسعود إن مواقع التواصل أدت إلى تعاسته وخراب بيته حيث ان زوجته كانت مدمنة على هذه المواقع واهمال تربية أبنائها وشؤون المنزل لافتا إلى أنه حذرها كثيرا ولكنها تمادت في الانخراط والانشغال بمواقع التواصل وأخيرا حينما وجد نفسه محاصرا بالمشاكل القى عليها ورقة الطلاق وما كان يريد ان تصل الأمور إلى هذا الحد لكن زوجته فتحت الباب أمام أبغض الحلال إلى الله.

انفصال نفسي
واتساقا مع هذه الحالات قال استشاري الطب النفسي الدكتور ابوبكر باناعمة إن الانفصال النفسي بين الأزواج وما يتلوه غالباً من الانفصال الجسدي وهو الطلاق وكلا الزوجين يقيناً أن لديه مخزونا هائلا من التعبيرات والعواطف الرائعة بكل المقاييس، ولكن كليهما أيضاً فقير في البوح والتعبير لشريك حياته بأجمل ما يكتنزه من ايحاءات وعبارات. وبين أن الخيال الزائف أيضا يصنع الدفء والحميمية في العواطف بعيداً عن الرقي، لافتا إلى أن الإحصائيات تشير إلى أن معدلات الطلاق في المملكة سجلت ارتفاعا وبينت نتائج الكتاب الإحصائي السنوي لعام 2018 الذي صدر عن مصلحة الإحصاءات العامة مؤخرا أن عدد صكوك الطلاق الصادرة عن وزارة العدل خلال العام الماضي بلغ أكثر من 58 ألف صك بنسبة 28% من إجمالي الصكوك، وتبين النتائج أن متوسط معدلات الطلاق بات يرتفع سنوياً بنسبة 2% ، وبلغت حالات الطلاق خلال السنوات الخمس الماضية أكثر من 260 ألف حالة.

منظور نفسي
وأضاف باناعمه بقوله :عندما تصل الحياة الزوجية إلى ابغض الحلال إلى الله فإن ثمة أسبابا وراء ذلك، ومن المنظور النفسي فهناك أسباب عديدة منها انعدام الوئام والألفة بين الزوجين؛ وذلك لعدم محبة أحد الزوجين للآخر، أو لوجود البغض من كليهما ،سوء الخلق عند أحد الزوجين؛ ممّا يفسد العشرة بينهما، كسوء خلق الزوج وظلمه لامرأته وعدم إنصافه لها، وكسوء خلق الزوجة وعدم السمع والطاعة لزوجها بالمعروف، سوء الحال بين المرأة وأهل زوجها، أو بين الرجل وأهل زوجته، وعدم الحكمة في معاملتهم، وقوع أحد الزوجين في المعاصي والمنكرات، كتعاطي المسكرات أو غير ذلك من أنواع المحرمات مما يؤدي إلى سوء الحال بين الزوجين، عدم اعتناء المرأة بالنظافة والتزيين للزوج باللباس الجميل، والرائحة العطرة، والكلام الطيب عند اللقاء والاجتماع بينهما، ما يسبب نفور الزوج من زوجته.

وأشار الى أن البحث في أسباب الطلاق هو أول سبل خفض دعاوى الطلاق بما يصب في مصلحة الأولاد، عبر تجنب تفكك الأسرة، وقيام دعاوى أخرى كالنفقة والحضانة والرؤية.

وأكد أن وسائل التواصل والتقنيات الحديثة، أصبحت من أهم مسببات رفع دعاوى الطلاق، حيث جعلت هذه الوسائل البيوت مفتوحة على بعضها، بما يشعل الغيرة بين الزوجات، اذ تنظر الزوجة إلى مثيلاتها اللائي يعرضن الهدايا المقدمة لهن، ومقتطفات من سفراتهن المختلفة، في الوقت الذي قد يكون فيه الزوج غير قادر مادياً على تلبية هذه الطلبات لزوجته.

ألم نفسي
من جانبه يقول الباحث الاجتماعي محمد فلمبان : الطلاق عندما يكون لأتفه الأسباب يكون كالصاعقة لما فيه من الألم النفسي، وتشتت للأسرة، وضياع للأولاد، وفي السابق كان الطلاق نادر الحدوث رغم الصراع داخل البيت الذي لا يكاد يخلو منه منزل.

وحول كيفية تجنب الطلاق قال: لابد من تعلم المهارات الهامة الحفاظ على علاقة المحبة بين الزوجين من شأنه تعلم بعض المهارات الأساسية، ومنها التحدث معاً بشكل تعاوني، ومنع الغضب من إفساد العلاقة، واتخاذ القرارات معاً، وضخ الإيجابية إلى الحياة الزوجية، ويمكن تعلم هذه المهارات من خلال الدورات، أو الكتب، أو الإنترنت ، التوقف عن العدائية العداء هو العائق الأول ضد الزيجات، ففي حال اختلاف وجهات النظر، يسعى كل طرف إلى إثبات وجهة نظره، وأنه على حق، ولكنّ الاهتمام بالنتيجة هي نظرة سامة للعلاقة بين الزوجين، فمن المفترض أن يعمل الطرفان معاً من أجل الوصول إلى نتيجة المثمرة ولفض العداء يجب ترك الأنا، وعدم الانخراط في التعاطي مع وسائل التواصل الاجتماعي.


عدم الوعي
وقالت سجى العتيبي اخصائية نفسية تتعدد الأسباب في حالات الطلاق ، لافتة إلى أن إساءة استخدام وسائل التواصل من الزوجين أو أحدهما بسبب عدم الوعي بالأضرار التي قد تلحق بعش الزوجية، وقد تجر إلى عواقب وخيمة، مشيرة إلى أن مواقع التواصل ساهمت في ظهور سلوكيات ومصطلحات كانت تبدو غريبة على مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وأصبح من السهل على الرجال والنساء التحدث إلى بعضهم البعض بلا حواجز أو وسائط. وبينت أن الأثر قد يكون إيجابيا في عملية التواصل ومعرفة أخبار الأسرة والتزود بمعلومات علمية مفيدة، أما الناحية السلبية فتظهر في ضعف العلاقات الزوجية علما أن هناك عوامل أخرى منها امتداد المدن.

وأحيانا عدم توافر المواصلات، وتكلفة الزيارات والمظاهر المصاحبة لها جعل وسائل الاتصال بديلا عن الأسرة والصداقة والزيارات مما يعني ضعف العلاقات بين أفراد الأسرة.ولكن دعونا نوجه تحليلنا للأسباب، حيث أن تأثير العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي ، لها دور كبير في حالات الانفصال بين الزوجين لأن احد الزوجين ربما يهرب من المشاكل بارتياد العوالم الافتراضية من خلال متابعة المشاهير والحلم بالوصول والحصول على علاقة زوجية مثالية وصورية يكتب تحتها عبارات شكلية فقط لا غير إثباتاً للغير أنهم يعيشون أجمل علاقة زوجية مليئة بالحب وخالية من التحديات اليومية إضافة إلى من يتطلع أن يمتلك ممتلكات مادية فوق المستوى فإما أن تحقق من الزوج وحتى الزوجة لو كانت تساهم في المعيشة مثل أن يقوما بالسفر لدولة ما وفي منتجع فائق الرفاهية حتى يثبت مرة أخرى للغير أنه يحقق لزوجته ما تتمناه كل امرأة أو أن زوجها حريص على إسعادها ورفاهيتها حتى لو كان ذلك أكثر من استطاعته.


غياب التوعية
وأشارت الدكتورة حنان الغوابي استشارية النساء والولادة من الآثار السلبية لهذه الوسائل خاصة بين الزوجين، فتور النقاش المباشر بينهما حتى فيما يخص موضوعات الأسرة أو ما يتعلق بالأبناء مما زاد في اتساع الهوة بين الزوجين ارتفاع معدلات الشك بوجود طرف ثالث مما زاد من حدة الخلافات بين الزوجين ارتفاع معدلات الطلاق خاصة بعد مرور سنوات عديدة على الزواج وهي حالة آخذة في الازدياد عن السنوات السابقة، حيث ساهمت مواقع التواصل في وجود حالات “الطلاق النفسي ” والبرود العاطفي بين الزوجين وظهور حالات الإدمان على الإنترنت والتي تم تصنيفها مؤخرا ضمن تشخيص الإدمان مما استوجب الحث على إيجاد مراكز وعيادات متخصصة لعلاج هذه الحالات بطريقة علمية.


نمو متزايد
وفي سياق متصل أكد المستشار القانوني ماجد الاحمري في الآونة الأخيرة جميع الإحصاءات تؤكد للأسف الشديد أن المجتمع السعودي يعد في مقدمة المجتمعات التي تعاني من تزايد ظاهرة الطلاق عاما بعد عام.. ورغم أن هذه الظاهرة حظيت بالبحث والدراسة والكتابة على كافة المستويات الرسمية والإعلامية والاجتماعية ولكن للأسف الشديد لازالت هذه الظاهرة تسير في نمو متزايد عاما بعد عام، ولم تنجح هذه الدراسات والبحوث في علاج هذه الظاهرة ورغم إفهام الطرفين مالهم من حقوق وما عليهم من واجبات، إلا أن التهاون بهذا الخصوص شائع وقد يجهلون بأنه مترتب عليه التزامات شرعية ومالية من نفقة وحضانة.


واعتبر المحامي عبدالرحمن الحربي أن كل طرف له سبب يرى أنه وجيه لكي يقوم به، بيد أن بعضها مجرد حماقات وقلة حيلة وفكر، وهناك أسباب منطقية تؤدي إلى الطلاق ومنها عدم التكافؤ بين الزوجين سواء (فكريًا أو اجتماعيًا أو عاطفيًا) سواء كان الزواج تقليديًا أو غيره ،و عدم التهيئة المناسبة في بيت الأهل للزوجين، قصور الدور الثقافي الذي تقدمه الهيئات والمؤسسات الاجتماعية، قصور المناهج التعليمية التي تنمي أهمية الحس الأسري والقيمة الزوجية، كما أن عدم النضج العاطفي يؤدي لعدم التكييف في الحياة الزوجية، الهروب من مشاكل الأهل والقبول بأي متقدم للفتاة.

ومن أكثر اسباب الطلاق تداولا : قد يكون التضرر ناتجًا من سوء معاملة مثل جهل كل طرف ماله من حقوق وماعليه من واجبات، كما أن تباين الاختلافات في وجهات النظر الذي يسبب فجوة بين الزوجين تؤدي إلى الوصول لحل الطلاق.
وأشدد على ضرورة توعية المقبلين على الزواج من الرجال والسيدات بحقوق وواجبات كل طرف سواء القانونية أو الشرعية واخذها من مصادرها الصحيحة.


تأسيس مؤشر وطني للكشف عن حالات الطلاق
قال مدير عام جمعية المودة للتنمية الاسرية بمنطقة مكة المكرمة محمد بن علي آل رضي: بلا شك أن الطلاق مؤثر اجتماعيا وصحيا واقتصاديا ولكن من المهم أن نتذكر أنه أمر طبيعي في أي مجتمع مع مراعاة التصنيف حتى لا نهول القضية , فالطلاق مقابل عدد الأسر بالمملكة لا يمثل 1.6% حيث يمثل متوسط نمو الأسر سنوياً 2% , كما أن المملكة من الدول الأقل في نسب الطلاق.

وأوضح آل رضي أن البيانات الصادرة للطلاق من وزارة العدل تشمل عدة حالات مثل الطلقة الأولى ,الطلقة الثانية ,الطلقة البائنة ,الطلاق قبل الدخلة , الطلاق دون وجود أبناء , الطلاق مع وجود أبناء والأخير والذي قبله يترتب عليه الكثير من المشكلات الصحية والاجتماعية والاقتصادية.

وبين آل رضي أن هناك منهجية عالمية في حساب حالات الطلاق ومؤشر دولي للطلاق وآخر للزواج تتبع الأمم المتحدة ويعتمد في الحساب على 3 منهجيات وهي العام والخام والمنقح بداية بمعدل الطلاق الخام والذي يحسب عدد حالات الطلاق من بين 1000 من السكان , بينما معدل الطلاق العام يتم حسابه بقسمة عدد حالات الطلاق خلال السنة ” الفترة الزمنية ” على تقدير عدد السكان الذين أعمارهم 15 سنة فأكثر في منتصف السنة “الفترة الزمنية ” ثم ضرب الناتج في 1000 , بينما طريقة حساب الطلاق المنقح بقسمة عدد حالات الطلاق خلال السنة على تقدير عدد السكان المتزوجين الذين أعمارهم 15 سنة فأكثر في منتصف السنة، ثم الضرب في 1000.

وأضاف آل رضي أنه في ضوء هدف جمعية المودة بإعداد دراسات وبحوث تسهم في بناء السياسات والتشريعات الأسرية ، فقد وقعت الجمعية ومجلس شؤون الأسرة شراكة استراتيجية لبناء المؤشر الوطني لاحتساب حالات الطلاق، لافتا إلى أن الجمعية تسعى من خلال هذه الشراكة مع مجلس شؤون الأسرة إلى بناء مؤشر وطني للطلاق مقابل حالات الزواج محليًا والكشف عن الحجم الحقيقي لظاهرة الطلاق محليًا وإقليميًا وعالميًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *