المحليات

تهميش اللغة العربية بطوفان الوجاهة.. مختصون يحذرون من فقدان الهوية

جدة – رانيا الوجيه

يطلق احدهم مفردة عابره باللغة الانجليزية قبل أن يتلعثم مستدركا ليطالب المستمعين بمعنى تلك الكلمة باللغة العربية !! رغم معرفة سابقة مؤكدة بل قدرة فائقة على انسياب كامل الحديث باللغة العربية كون المتحدث منحدرا من الامة العربية موغلا في تفاصيل مفرداتها. لا شيء يمنعنا من الافتخار بلغتنا العربية كما يفعل غيرنا سوى حاجة يمكن تسميتها عقدة النقص ذلك أن تطعيم النصوص باللغة الاجنبية عند البعض من مظاهر التطور والرقي والثقافة أو هكذا يفهم البعض !

هناك كثرة من الواثقين المتعلمين الناضجين لا يعيرون كل هذا ادنى اهتمام ولذلك يستخدمون اللغة في وقتها ولحاجتها دون ان يفقدوا الاعتزاز بلغتهم الأم . فلماذا تهمش اللغة العربية على هذا النحو ؟ وهل ساهمت المدارس العالمية بطمس العربية الى هذا الحد ؟ وماهو الموقف من المتحذلقين ارباب المصطلحات الاجنبية دون مبرر يمكن ذكره ؟

اسئلة حملتها “البلاد” في وقت عانت وتعاني اللغة العربية من التهميش وغياب الاهتمام في الوطن العربي من البحر إلى البحر بسبب طغيان اللغات الأخرى،

الرعاية والاهتمام قائمين
يجب في البدئ أن نذكر بأن المملكة على رأس الدول التي تبذل جهودا جبارة لخدمة لغة الضاد انطلاقا من اهتمام قيادتها الحكيمة ،وقد تأسست الكليات والأقسام والمعاهد وكراسي البحث في داخل المملكة وخارجها لدعم اللغة العربية وتعليمها وتعلمها، كما أن الاهتمام بلغة الضاد يأتي بوصفها لغة الدين الحنيف ورمز الهوية الوطنية، وتعمل المملكة بطريقة ممنهجة لدعم اللغة العربية ونشر ثقافتها في الداخل والخارج، وقد جاءت الرؤية الوطنية 2030 لتؤكد على الاهتمام باللغة العربية لتعزيز الهوية العربية والإسلامية.

وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها القطاعات المختلفة داخل المملكة فإن الدور البارز الذي ينهض به مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز لخدمة اللغة العربية يبقى محل تقدير على الصعيدين المحلي والعالمي؛ إذ أسهم في تعزيز ثقافة اللغة العربية وحمايتها من خلال خطوات عدة؛ أهمها: دوره الفاعل في رسم السياسات والإستراتيجيات العامة لحماية اللغة العربية، بمخاطبة الوزراء والقطاعات ذات الصلة باللغة العربية، وتقديمه الدعم لها، وكذلك ما يعقده من ندوات وفعاليات، وما يقدمه من إصدارات تعيد اللغة العربية إلى مكانتها السامقة.

” البلاد ” امتطت قطار لغة الضاد والتقت بعدد من المختصين والذين أكدوا أن اللغة العربية أصبحت ضائعة في الوقت الراهن بسبب عدم الاهتمام بها في الوطن العربي داعين إلى ضرورة تنظيم المهرجانات والمسابقات من أجل تكريس حب لغة القرآن الكريم في قلوب النائشة إلى جانب إطلاق مسابقات لإحياء التراث العربي لتعريف الأجيال الحاضرة واللاحقة بتفاصيلة وجمالياته .
وأضاف المختصون أن الوضع يبدو وكأن اللغة العربية تقول: “من يتبناني كما يليق بي “؟، لافتين في الوقت نفسه إلى أن بعض النخب العربية يتهافتون للتخاطب باللغة الإنجليزية وكلما أجادوها تفاخروا بها أكثر، واستخدموها أكثر، لأن هذا الأمر بالنسبة لهم، نوع من التطور والوجاهة الاجتماعية.

في البداية اوضح الدكتور ماجد حاتم الحارثي مستشار وكيل جامعة الملك عبد العزيز للشؤون التعليمية وأحد صناع مبادرة “العب مع فصيح”: بقوله لا شك أن موضوع اللغة العربية مهم جدا لكل من يعلم قيمة وأهمية لغة الضاد وضرورة أن يقف الآباء والأمهات والمعلمون والمعلمات وقفه جادة في المحافظة على لغة أبنائنا وبناتنا حيث هناك ضعف كبير في استخدام اللغة العربية بين الطلاب والطالبات وربما يعود ذلك لوجود وسائل التواصل الاجتماعي حيث اعتاد البعض على استخدام اللغة العامية والإنجليزية في التواصل مع الآخرين وأيضا قنوات اليوتيوب التي يستخدمها أو يتابعها العديد من الناس يغلب عليها اللغة العامية وبعض المصطلحات الأجنبية، فضلا عن القنوات الغربية التي يتابعها الأبناء صغارا وكبار، ما يساهم في ضعفهم باللغة العربية، إضافة إلى عامل آخر مهم وهو المدارس العالمية التي أصبح الإقبال عليها كبيرا حرصا من الآباء والامهات على تعليم أبنائهم اللغة الإنجليزية بشكل مكثف ، بالرغم من أننا نعلم جميعا أن هذه المدارس تعتمد بالدرجة الأولى على اللغة الإنجليزية وإهمال العربية في مناهجها. أيضا الابتعاث له دور في غياب اللغة العربية، ولكن لابد أن يحرص المبتعثون على الحفاظ على لغتهم الأم العربية في بلاد الغربة تحديدا سيكون هناك فارق كبير على الشباب والفتيات بعد عودتهم إلى الوطن وهم يحملون لغة جديدة مع الاحتفاظ بجودة لغتهم العربية، ومن جانب آخر هناك أخرون يرون أن تعلم اللغة الإنجليزية هي الأهم وفقدان اللغة العربية ليس فقدان التحدث والمخاطبة مع الاخرين بل هو فقدان لهوية لنا كعرب ومسلمين لابد أن نحافظ عليها.

تحفيز الأبناء
وأضاف الدكتور الحارثي أرى أنه على الأم والأب والمعلم مسؤولية كبيرة في تحفيز الأبناء للحفاظ على لغتهم الأم، وذلك من خلال البرامج والمسابقات التي تغرس لديهم أهمية اللغة العربية وتثري حصيلتهم اللغوية من مصطلحات ومفردات عربية.
أيضا القنوات التلفزيونية عليها دور كبير في هذا المجال من خلال إستخدام اللغة العربية في جميع برامجها وخصوصا الموجهة للأطفال بدلا من اللغات الأخرى.

ومن المهم الإشارة لما تقوم به إمارة منطقة مكة المكرمة من جهود ” كيف نكون قدوة بلغة القرآن” وهو شعار جميل يجعل اللغة العربية لها قيمة أكبر ويذكر الناس بأهمية هذه اللغة، كما أن هناك العديد من المبادرات التي تقدمها الجامعات وادارات التعليم والأفراد ايضا تحرص على اثراء اللغة العربية والمحافظة عليها في المجتمع ومنها على سبيل المثال ” مبادرة العب مع فصيح ” وهي عبارة عن لعبة الالكترونية مع شخصية كرتونية اسمها فصيح وهي قيد التصميم والإنشاء وتهدف الى تعليم الاطفال من سن السابعة على استخدام اللغة العربية في حياتهم اليومية من خلال مصاحبة الشخصية الكرتونية “فصيح” والتنقل معه بين مدن المملكة وفي المدرسة والحديقة وفي المطاعم وغيرها من الأماكن. ولا شك أن هذا التطبيق سيثري حصيلتهم اللغوية وسيحبب الأطفال والكبار في لغتهم العربية.

المدارس العالمية
الدكتورة خديجة الصبان المتخصصة في النحو والصرف من جامعة أم القرى، ترى أن اللغة العربية في الوقت الراهن أصبحت ضائعة، خاصة بعد ظهور المدارس العالمية واعتماد المناهج الإنجليزية والاكتفاء باللغة العربية كمادة فقط، وبالتالي أصبحت المدارس العالمية تزيح اللغة الأم لتتحول إلى لغة ثانية، وهناك فرق شاسع بين أن تدرس اللغة الأجنبية منذ المرحلة التمهيدية وبين أن تكون هي اللغة الأم في التعليم، واللغة الأم تتحول إلى اللغة الثانية. بالرغم ليس هناك إشكال أن تدرس اللغة الإنجليزية من المرحلة التمهيدية الى الجامعية كمادة فقط وهذا مطلب ضروري للإنفتاح على العالم ، دون الاعتماد أن يكون المنهج بالكامل بلغة مختلفة عن العربية . فالإقبال على المدارس الخاصة الأهلية أصبح ضئيلا جدا مقارنة بالمدارس العالمية، وبالتالي ظهر لدينا جيل من الأطفال لايعرفون بعض الكلمات والمفردات العربية بسبب التحدث باللغة الإنجليزية أيضا داخل البيت وهذا الأمر نجده في كل مكان ، فاللغة العربية مرتبطة بالقرآن. ولذلك لا بد من الاهتمام أكثر باللغة العربية من خلال تقديم مسابقات على مستوى المدارس في القراءة والكتابة باللغة العربية الفصحى، وجوائز لإحياء التراث العربي، وبالفعل هناك مبادرة من وزارة التعليم بعنوان ” مدرستي فصيحه” لإعادة الفصحى في المدارس للمعلمين والطلاب.

الاعتزاز بالعربية
من جانبها أوضحت الدكتورة وفاء الطجل المستشارة التربوية والتعليمية لتطوير المهارات اللغوية الأولية بالفصحى، أن اللغة العربية أصبحت غريبة في بعض البلدان العربية لعدم الاهتمام بها داعية إلى ضرورة ايجاد ميثاق عربي من أجل تفعيل اللغة العربية وجعلها في المرتبة الأولى والاعتزاز بها خصوصا وأن المدارس العالمية خطفت بريق هذه اللغة مؤكدة أن المملكة العربية السعودية حريصة على تفعيل لغة الضاد من خلال العديد من الفعاليات داخل وخارج المملكة.

طغيان الإنجليزية
وقال الدكتور مازن نصير رئيس لجنة المدارس الأهلية في الغرفة التجارية بجدة قائلا: بداية لم يكن متاحا للمواطنين السعوديين إلحاق أبنائهم بالمدارس العالمية التي كانت حكرا فقط على المقيمين الأجانب ، ومنذ العشر سنوات الماضية بعد إتاحة الفرصة لأبناء المواطنين بالدراسة في المدارس العالمية أصبح هناك إقبال نوعا ما من أولياء الأمور لتسجيل أبنائهم في تلك المدارس العالمية رغبة منهم في تعليم أبنائهم اللغة الإنجليزية وتقويتها لديهم.

تلاوة القرآن الكريم
وعلى صعيد أولياء الأمور يقول محمد الحارثي يدرس ابنائي بمدارس عالمية ” ” بسبب اقامتنا لأربع سنوات في لندن وكان ابني الأكبر “يوسف” في مرحلة ثالث ابتدائي، وكانت لغته العربية أفضل ، وبعد عودتنا من بريطانيا تعاونت مع مدرسين في المنزل لتعليم أبنائي وتقوية مهارات اللغة العربية لديهم ولكن مازالت هناك صعوبة لديهم في تعلم اللغة العربية من نحو وصرف وإملاء وغيرها، من قواعد اللغة العربية.

ويجد الأب محمد الحارثي حلا لمشكلة اللغة العربية لدى الطلاب عن طريق تلاوة القرآن الكريم أو متابعة مسلسلات الرسوم المتحركة، وهذا مالمسه بنفسه من خلال تجربته مع أبنائه ويوضح قائلا: هناك بعض الكلمات التي يأتي أبنائي للاستفسار عنها في القرآن الكريم منها الإخلاص ، اليقين، البينة وغيرها من الكلمات التي لم يعتادوا عليها أو يستخدموها في حياتهم اليومية، ومن جانب آخر لكي نحبب أبناءنا في اللغة العربية لابد أن نبتعد قليلا عن جو الدراسة فهو يشعرهم بالملل ولذلك نجد الحل في افلام أو مسلسلات الكرتون خاصة المسلسلات التي نفتقدها الآن والتي كانت رائجة في فترة الثمانينات والتسعينات كمسلسل كابتن ماجد، وزينة ونحول والنمر المقنع وغيرها من المسلسلات التي جعلتنا نحب اللغة العربية الفصحى.

معاناة الأسر
كما تؤكد هند حجازي بقولها: بالفعل أبناؤنا بعد التحاقهم بالمدارس العالمية تناسوا الحديث باللغة العربية، وهذا ما أعانيه مع ابنتي في المرحلة الثانوية ، بالرغم من أنني أتعمد عدم الحديث معها في البيت باللغة الإنجليزية واستبدالها بالعربية وبالتالي اكتشفت ضياع العربية لديها وخاصة في بعض المفردات وقواعد اللغة العربية من فعل ماض ومضارع وجمع التكسير وغيرها ، وأتوقع السبب الرئيسي لهذه الحالة الضعيفة هو من التأسيس داخل المدرسة وأجد الطلاب والطالبات مع بعضهم يستخدمون الإنجليزية في حديثهم اليومي، والكارثة الكبرى أن هناك بعض الكلمات العربية البسيطة لاتجيد فهمها ولاتعرفها وتستخدم التعبير عنها بالإنجليزية. وبالتالي لكي أتغلب على هذه المشكلة الحقت مريم بحلقة لتحفيظ القرآن الكريم لتقوية اللغة العربية لديها.
طرق سهلة

لمار محمد 10 سنوات الطالبة في المرحلة الابتدائية في إحدى المدارس العالمية تعبر بقولها عن ممارسة اللغة العربية قائلة : من الصعب التحدث باللغة العربية والتعامل بها فأنا منذ المراحل الأولى الدراسية وأنا أتعلم الإنجليزية والفرنسية ولم تكن مواد اللغة العربية مكثفه لدينا أو ذات أهمية في المنهج الدراسي، بالإضافة إلى أن اللغة العربية الفصحى صعبة جدا ولها قواعد عديدة يجب حفظها، موضحة أنها تتمنى أن تتقن اللغة العربية لأنها لغة القرآن الكريم .

نريد التعلم
وتؤيدها القول تاليا الآغا في المرحلة الابتدائية 8 سنوات في إحدى المدارس العالمية أيضا قائلة: لو أن هناك طرقا سهلة لتعليم اللغة العربية ، وتكون بشكل محبب للغة ونحن في المنزل نتحدث اللغة العامية وليس الفصحى فهناك كلمات صعبة النطق ولا أفهم معناها .

انتزاع اعتراف العالم باللغة العربية

حرصت المملكة العربية السعودية على دعم اتحادات اللغة العربية في الدول الأجنبية، وإنشاء الكراسي العربية، وقد توجت تلك الجهود بتمكن المملكة من انتزاع اعتراف العالم باللغة العربية، ومن ثم الاحتفال السنوي باليوم العالمي للغة العربية في الثامن عشر من شهر ديسمبر من كل عام.

وفيما يخص تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها؛ ففضلاً عن المعاهد والمراكز والوحدات المنتشرة في ربوع المملكة، وأولها يرجع تاريخ نشأته إلى أربعين عامًا مضت، وأحدثها في جامعة الطائف ممثلًا في وحدة تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها؛ فإن أنشطة المملكة قد امتدت لتتخطى حدود المملكة إلى مختلف بلدان العالم، ولعل ثمة جهود لا يمكن إنكارها في هذا الصدد، منها برنامج أشهر اللغة العربية الذي يتبناه مركز الملك عبد الله لخدمة اللغة العربية، وكذلك استضافة الآلاف من طلاب المنح من الدول الإسلامية، والبعثات والمدارس والمعاهد التي أنشأتها المملكة في مختلف بلدان العالم الإسلامية وغير الإسلامية، والإصدارات التي تملأ ربوع المعمورة، ولعل تلك الأمثلة إنما تشهد بمدى حرص المملكة العربية السعودية قيادة وحكومة وشعبا على نشر اللغة العربية وتصدير ثقافتها الإسلامية المعتدلة إلى العالم كله.

كشفت إحصائية للعام الماضي 2019 أن عدد المدارس الأهلية العربية مع المدارس العالمية في جدة يبلغ ” 1237 مدرسة أهلية وعالمية ” وتحتل المدارس الأهلية العربية النسبة الأكبر للطلاب السعوديين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *