الثقافية

قراءة في « أحماء المدينة المنورة » للشنقيطي

عرض وتحليل – حمد حميد الرشيدي

يعد هذا الكتاب القيم ضمن قائمة الكتب الهامة والمفيدة جدا، وتلك المختصة بالبحث والدراسة لآثار المدينة النبوية الشريفة ومعالمها وتاريخها، على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم, والتعريف بأبرز معالم هذه المدينة المقدسة؛ لما لها من مكانة عظيمة سامية في نفوس المسلمين وقلوبهم ومشاعرهم, في شتى بقاع المعمورة .

وقد بذل المؤلف هنا مجهودا واضحا في تحريه لمادة كتابه هذا، ودقته بالحديث عنها، استنادا إلى مرجعيات تاريخية موثقة، ومصادر علمية متنوعة ,ومعلومات تاريخية وجغرافية مستمدة من كتب السيرة النبوية، والتاريخ الإسلامي في عصوره الأولى.
وقد أشار المؤلف إلى شيء من ذلك في مقدمة كتابه، بالإضافة إلى تطرقه وذكره للهدف من إصداره لهذا الكتاب وأهمية ما يتحدث عنه، بقوله:

(منذ أن وعيت على الدنيا وبدأت أميز الكلام وأنا يتطرق إلى سمعي كلمات مثل قباء والروضة المطهرة وأحد وبدر وبيروحاء وبئر غرس وبئر الخاتم…هذه الكلمات وغيرها كنت أسمعها من والدتي – رحمها الله – تقرؤها على قريباتها وجاراتها من كتب عرفت فيما بعد أنها كتب السيرة النبوية مثل سيرة ابن هشام ووفاء الوفاء وغيرها، وكنا عندما نذهب إلى مكة المكرمة لأداء العمرة ونمر بالروحاء وقديد وغيرها من المعالم، تحدثنا عن الأحداث النبوية التي حصلت فيها؛ لذلك فقد أشرب في قلبي حب معالم المدينة المنورة والسيرة النبوية منذ نعومة أظفاري).

ويمضي المؤلف بحديثه من المقدمة ذاتها مفصلا وشارحا بشكل متوسع فيه، ليؤكد للقراء أن ما يتحدث عنه في كتابه هذا هو بمثابة التبحر العميق في دراسة واستيضاح جانب محدد، من جوانب تاريخ المدينة المنورة، والتي ربما لم يلق عليها الضوء بشكل كاف من قبل الباحثين والدارسين السابقين واللاحقين، الذين ركزوا أغلب ما تناولوه في مؤلفاتهم عن المدينة على أبرز معالمها، وخاصة تلك الواقعة منها داخل حدود حرمها، وهي معروفة للجميع بلا شك. أما هو فقد تناول في هذا الكتاب تلك المعالم التاريخية الواقعة خارج حدود حرمها الشريف, والتي كانت بعيدة نوعا ما عن متناول من سبقوه، أو تلك التي لم تعط حقها الكافي من البحث والدراسة في تعريف القارئ بها – وخاصة عامة المسلمين – لكونها ذات علاقة وثيقة بالسيرة النبوية وتاريخ المدينة وحرمتها المقدسة؛ حتى وان كانت من الناحية الجغرافية واقعة خارجها، إلا أنها جزء لا يتجزأ منها تاريخيا.

وحول هذه النقطة يقول المؤلف:
( وحيث إن المعالم والمشاهد الإسلامية داخل حرم المدينة معلومة ومعروفة، وهناك عدة جهات رسمية وباحثون كثر يتولونها فقد وليت وجهي نحو المعالم والمآثر الاسلامية والعربية خارج حرم المدينة المنورة التي لها ارتباط بها فوجدتها كثيرة جدا، وغالبها ما زال على حالته التي كان عليها منذ العهد النبوي؛ نظرًا لبعدها عن العمران، وكثير منها مجهول الاسم والمكان , بسبب تغير اسمه التاريخي , وتحديد مكانه بمصطلحات تقيس المسافات , لم تعد مستخدمة الآن, ولم يعد تحديده تحديدا دقيقا بوسائل التحديد الحديثة , مثل الكيلو متر أو الميل المعروف الآن , أو ما هو أدق من ذلك, مثل تعيين إحداثيات المكان بأجهزة تحديد المواقع بواسطة الأقمار الصناعية…وقد حاولت جهدي في هذا العمل المتواضع أن أخرج تلك المعالم من بطون كتب التاريخ والسيرة النبوية الى الواقع المعاش في العصر الراهن؛ ليكون في ذلك ربط بين الماضي والحاضر، وصولا إلى المستقبل إن شاء الله). انتهى كلامه.

وفي نهاية المقدمة أشار المؤلف إلى عدة جهات على المستويين المؤسساتي والفردي , ومن القطاعين العام والخاص، كان لها دور هام واضح في دعم دراسته هذه ماديا ومعنويا, وتشجيعه في اتمامها واكتمالها ومن ثم طباعتها ونشرها , متقدما للجميع بالشكر والتقدير والعرفان الذي كان من شأنه خروج كتابه هذا إلى النور.

وفي ختام حديثي عن هذا الكتاب أقول: إن الأهمية التاريخية والعلمية له وفوائدها تعود إلى كونه كتابا نادرا في موضوعه ومادته التي يبحث فيها. حتى بدا وكأنه يبحث في جزئية دقيقة جدا من تاريخ المدينة، فانصرف اليها , وصب جل اهتمامه عليها , متجاوزا بهذا الأسلوب ما كان معروفا من تاريخها ، وما هو مشهور من معالمها لعامة الناس؛ إذ إن الكثيرين غيره طالما تحدثوا عن ذلك من باحثين ودارسين وطلبة علم ومؤرخين واخباريين, حتى لم يعد الحديث عن هذه الجوانب البارزة من تاريخ المدينة بجديد, لكثرته وانتشاره ومعرفة القراء به من قبل.

وهو يركز في مضمونه العام على (أحماء المدينة المنورة) الرئيسة الثلاثة : (حمى الشجر, وحمى النقيع , وحمى الربذة) متناولا بالشرح والتحليل كلا منها على حدة ، بالإضافة إلى تضمين المؤلف كتابه كثيرا من الصور الملونة العالية الوضوح لهذه (الأحماء) أثناء حديثه عنها، مع الشرح والتعليق على محتوى هذه الصور، وما توضحه لمتصفح الكتاب أو قارئه من معالم ومآثر لها أهميتها في السيرة النبوية تحديدا وفي تاريخ العرب والمسلمين قديما بوجه عام في هذه المنطقة.

وقد ذكر المؤلف في أحد المواضع من الكتاب أن (الوقوف على المعالم التاريخية وتحديدها وتصويرها لا شك أن له دورا كبيرا في تكوين التصور الصحيح للأحداث التي حصلت فيها , وتصحيح كثير من المفاهيم المغلوطة عنها , وتعميق تأثيرها النفسي والوجداني , وأحيانا يكون وجود الأثر أو الموقع هو الفرق بين الأسطورة والحقيقة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *