اجتماعية مقالات الكتاب

الصحة وتحدي الملح !

لم تكن نتائج الدراسة الحديثة التي نشرتها مجلة اللانست المرموقة علميا في الشهر الماضي مستغربة ، حين أظهرت أن زيادة استهلاك أملاح الصوديوم تأتي على رأس قائمة عوامل الخطر الغذائية المسببة للوفاة ؛ ذلك أن الملح (كلوريد الصوديوم) هو السبب الرئيسي لارتفاع ضغط الدم وهو مسؤول إلى حد كبير عن ارتفاع ضغط الدم الذي يحدث في جميع البالغين تقريبًا عند تقدمهم في العمر.

وعطفا على العبء الذي يسببه استهلاك أملاح الصوديوم على صحة الانسان ؛ فإن التوصية العلمية المعتبرة من منظمة الصحة العالمية تقضي بأن لا تتجاوز كمية ما يستهلكه الانسان من الملح ٥ ملجم يوميا ، اي ما يوازي ملعقة شاي تحتوي تقريبا على ٢ ملجم فقط من الصوديوم.

ونتاجا لذلك؛ قامت ما يفوق على ٧٥ دولة حول العالم باتخاذ تدابير واجراءات لخفض ما يستهلكه سكانها من الملح عبر اتباع استراتيجيات مختلفة : كالزام المصانع بخفض كمية الملح في الأغذية ( ٨١% من الدول تتبع هذه الاستراتيجية )، وتثقيف المستهلك صحيا، ووضع علامات على العبوات تحذر من زيادة الملح في الاكل ، ووضع الضرائب على الأغذية التي تحتوي على كميات عالية من الملح.

ومن بين هذه الاستراتيجيات ، تأتي استراتيجية خفض كمية الملح في منتجات المصانع على رأس القائمة حيث تمثل الغالبية العظمى (81٪) من الاستراتيجيات الوطنية على المستوى العالمي. وعلى مستوى الأطعمة والمنتجات ، يعد الخبز الغذاء الأكثر استهدافًا لخفض كمية الملح فيه ، يليه منتجات المخابز واللحوم المصنعة ومنتجات الألبان والصلصات ووجبات التسالي. علاوة على ذلك اتخذت 36 دولة خطوة متقدمة لوضع مستهدفات لمحتوى الصوديوم للأطعمة والوجبات كما فرضت تسعة بلدان حدا أقصى لمحتوى الصوديوم في المنتجات الغذائية ، وعلى الرغم ان اغلبها مخصص للخبز ، إلا أن الأرجنتين وبلغاريا واليونان وجنوب إفريقيا وضعت حدا أقصى لمحتوى الملح للأطعمة الأخرى.

وقبل أيام قليلة ، انضمت المملكة العربية السعودية الى ركب هذه الدول ، حيث بدأت الهيئة العامة للغذاء والدواء ابتداءا من الأول من مايو 2019م بتطبيق اللائحة الفنية السعودية الخاصة بالاشتراطات الفنية لإنتاج الخبز ، والتي تُلزم مصنّعي ومستوردي منتجات الخبز بحد أقصى لكمية الملح في الخبز لا يزيد على 1 جرام لكل 100جرام من المنتج النهائي.

إن لكل تغيير مقاومة ، ولا شك ان اتخاذ خطوة كهذه سيواجه بجملة من التحديات ، لعل من أهمها ايجاد وتفعيل نظام رقابة ونهج رصد فعال. ان وجود مثل هذا النظام يعد أمرًا حيويًا لإظهار فعالية استراتيجية خفض الملح في الطعام ، كما أنه يشجع أيضًا على إحداث مزيد من التغيير. ولذلك، أنشئت العديد من البلدان آليات لرصد مستويات تناول الملح للسكان ، ومحتوى الصوديوم في الأطعمة والكربوهيدرات المرتبطة بالملح ، ولكن مستويات فعالية هذه الأنظمة تختلف من بلد لآخر وفقا لنهج الترصد المتبع .

وفي هذا الصدد ، تم اتباع نهج المسوحات الغذائية المقارنة في أكثر من نصف البلدان التي أبلغت عن انخفاض في استهلاك الملح من السكان. ومع أن نجاح هذا النهج يعتمد بشكل كبير على دقة طريقة القياس ومعوليتها ، الى انه لا يزال مقياسًا مفيدًا للتغيير مع مرور الوقت.

وعلى الرغم من أن إفراز صوديوم البول على مدار 24 ساعة يعتبر المعيار الأكثر دقة لقياس استهلاك الملح ، إلا أنه قد يكون مكلفًا وعبئًا ثقيلًا على المشاركين في المسوحات الغذائية ، مما يشكل تحديًا بالنسبة للعديد من الدول لاعتماده. وعوضا عن ذلك ، يمكن استخدام قياسات البول الموضعية لتقدير إفراز الصوديوم البولي على مدار 24 ساعة كاداة قياس بديلة أكثر ملاءمة للمسوحات السكانية الكبيرة، ويجدر بالذكر هنا الى أن منظمة الصحة العالمية أعدت دليلا إرشاديا لرصد كمية الملح كجزء من الخطوات التي ينبغي أن تتبعها البلدان ، و يتضمن ذلك إجراء عينات بول موضعية للعينة بأكملها وعينات بول على مدار 24 ساعة لعينة فرعية من السكان حيثما كان ذلك ممكنًا ، بالإضافة إلى أسئلة قياسية لتقييم ورصد التغييرات في المعرفة والتوجه والسلوك.

إن ايجاد تدخلات فاعلة على مستوى تعزيز الصحة العامة ، و اتباع نهج الوقاية قبل العلاج ، ليس بالأمر السهل ، لكنه ممكن ، وممكن جدا ، متى ما تضافرت الجهود بين مختلف القطاعات ، بما يضمن تكاملها في سبيل الرقي بصحة الانسان والرفع من جودة حياته. وتأكيدا لذلك ، صـدر الأمـر الـسامـي الـكریـم بـتشكیل لـجنة وزاریـة بـاسـم (الـصحة فـي جـمیع السـیاسـات) تـعزیـزا لـلتكامـل بـین مـختلف قـطاعـات الـدولـة وتنسیقا للجهود المبذولة في هذا المجال.

وعلى الرغم من أن الأثر من مثل هذه المبادرات التي تعزز الصحة قد لا يلمس الا بعد وقت طويل ، الا ان نتائجه تكون مهمة و ضرورية ، تنعكس ايجابا على رفع متوسط العمر المتوقع للفرد ، وجودة حياته. وللوصول الى ذلك ، فان الحاجة ملحة لتكثيف الجهود والتدخلات العلمية المبنية على البراهين، مقرونة بالصبر ، وكثيرٌ كثير من الدعاء !
زمالة طب المجتمع ( الطب الوقائي والصحة العامة )
ماجستير ادارة الخدمات الصحية.
دبلوم طب الحشود والكوارث.
جوال 0542631632
بريد إلكتروني [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.