ملامح صبح

(صالح اليحيى .. البيت الذي انفلت من بين الأقواس)

(بعض الخطا ودك تموت وتفاداه/
وبعض الخطا ودك تعيد ارتكابه)

ياخذنا صالح اليحيى من خلال هذا البيت إلى آفاق جديدة , تجمع ما بين الإنصات الشديد لصوت الإتزان الداخلي , الذي يرتكز على وعي شعري مضيء , يستبطن المآلات البعيدة , وبنظرة عالية الحساسية تأخذ في اعتبارها معايير الواقع (الصح والخطأ) وانعكاسساتها على المشهد الذي يتحرك فيه الشاعر, وبين الذهاب بمفارقة تجسد الذات بشقها غير المرئي , غير الخاضع للتحديد والتأطير , وعبر قفزة بعيدة استطاع أن يوظفها الحس الشعري الدقيق , بتناغم كبير, اصبح معه التضاد والتوافق شيئاً واحداً ,

متماهياً مع واقع هو منه , أو هو وجهه الآخر (ذاته السرية) التي تبرز فقط عندما نرى بأن المسار قد انحرف فتنصب انظارنا على جزء ما من تكويننا منتظرين إياه أن يقوم بعمل شيء ما , حتى لو كان هذا الشيء موقفاً مضاداً أو غير مألوف . المهم أن تدور الصورة الكلية داخل شبكة من الإنسجام والتناغم والإنتظام .. أن نستدرك ونقول : (وبعض الخطا ودك تعيد ارتكابه)!(بعض الخطا ودك تموت وتفاداه) تنفتح أبواب الرؤية الشعرية على حوارية يقيمها المقطع (بين الشاعر وذاته) وبدفق رؤيوي غزير قادر على خلق مساحة واسعة لسيل التأملات والهواجس التي تجتاحك للوهلة الأولى وتأخذ بك نحو أماكن غناء فوق خشبة مسرح ليس بمقدورك فيه إلا أن تتكلم أو تتصرف حتى لو أدى بك ذلك الى ارتكاب الأخطاء , ولتكن الأخطاء , ولا خوف منها ,

فثمة ما يمنحك أمكنة آمنة , في عبورك خلل هذه المجاهل , وإنه لمن الصعب قليلاً في بعض الأوقات أن نتقبل كوننا بحاجة الى الخطأ , بل وتكراره إذا ما تطلب الأمر ذلك , حاجتنا الى الصواب والإستمساك به , لكن هذه الصعوبة تزول إذا ما تذكرنا بأن المعادلة لاتستقيم إلا بهذين الطرفين , ولا يهم أن نزداد ابتعاداً أو اقتراباً من المنطق فمنطق الأحداث (منطق الفن) هو ما يفرض نفسه في الأخير , وعدم الاستجابة له يعني تحول العمل الى صورة فوتوغرافية باردة , لا حياة فيها . ونسجاً مع هذا المفهوم جاء هذا البيت الذي إنفلت من بين الأقواس ورسم اسم كاتبه بشكل أكثر فخامة وتجاوزاً وجمالاً.

(وبعض الخطا ودك تعيد ارتكابه)
عندما نرتبط بضرورة أن نفكر ونعمل (نكتب) وفق قاعدة الصح , لاغير , فما الذي سيتبقى لنا لنكتبه , بالطبع , سنستسلم , آنذاك , لحصص مملة من دروس الخطابه , وما أكثرها . الآن أغلق جميع حواسك , سترى ولا شك , ما يجعلك تتصور ماهية ذلك الخطأ , ما يجعلك تتخيل الظروف والطريقة التي سيعاد بها ارتكابه , عن عمد وسابق إصرار , وربما تطلق لخيالك العنان فترى نفسك تعيش نفس الواقعة , وذات الدهشة … وهذا يكفي !.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.