متابعات

التكامل والتحديات الخليجية والعربية أمام قمة الرياض غدا

جدة – البلاد
منذ تأسيس المملكة، على يد الملك عبد العزيز – رحمه الله – والشأن الخليجي يتصدر اهتمام المملكة وسياستها الخارجية على كافة الأصعدة، انطلاقا من أسباب عدة؛ أوثقها أواصر القربى والارتباط التاريخي والجوار الجغرافي، وإيماناً من المملكة وباقي دول الخليج بالقواسم المشتركة، ووحدة المصير بينها، كان انطلاق مجلس التعاون لدول الخليج العربي منذ مايقرب من أربعة عقود ؛ليظل النموذج الأنجح في تنسيق المواقف المشتركة السياسية والاقتصادية والأمنية والدفاعية، لمواجهة التحديات، وأزمات وصراعات تحيط بالمنطقة، وتؤثر عليها بأشكال عدة، وهذه الأهداف تظل من ثوابت السياسة السعودية، ضمن نهج المملكة الواضح ومسؤولياتها العربية والإسلامية الرائدة ومكانتها وتأثيرها الدوليين.

وهاهي العاصمة الرياض تحتضن غدا قمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في اجتماع الدورة (39 ) للمجلس الأعلى، برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله – تأكيدا لحرصها على استمرار هذا الكيان الخليجي بأهميته الاستراتيجية في تحقيق أهدافه.
ومن هنا تأتي الأهمية الكبيرة لهذه الدورة وجدول أعمالها لتعزيز التعاون، وبحث المستجدات خاصة مواجهة التحديات وأزمات المنطقة والتصدي لمخططات ومشاريع إقليمية خطيرة، تستهدف الأمن والاستقرار وتعطيل التنمية، وهي ملفات ساخنة تموج بها المنطقة؛ جراء التدخلات الإيرانية السافرة في اليمن التي أشعلت حربا أهلية وفجرت أطماع ميليشاتها الحوثية الانقلابية ، واستمرار احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث ، كما تبحث القمة مستجدات القضية الفلسطينية والحرب على الإرهاب ، وغير ذلك من قضايا على الصعيدين الإقليمي، والدولي.
لقد أكد معالي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، على أهمية هذه القمة ، وأعرب عن فخره واعتزازه بتكليفه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود ، حفظه الله ، بنقل الدعوة الكريمة إلى إخوانه أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس؛ للمشاركة في اجتماع الدورة التاسعة والثلاثين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون ، مشيرا إلى أن القادة سيبحثون عددا من الموضوعات المهمة في مسيرة العمل الخليجي المشترك، وما تم إنجازه في إطار تحقيق التكامل والتعاون الخليجي في المجالات السياسية والدفاعية والاقتصادية والقانونية، كما سينظرون في التقارير والتوصيات المرفوعة من قبل اللجان الوزارية المختصة والأمانة العامة. كما تبحث القمة آخر التطورات السياسية الاقليمية والدولية، ومستجدات الأوضاع الأمنية في المنطقة ، معربا عن أمله في أن تسفر عن نتائج بناءة ومثمرة تعمق التعاون والتكامل الخليجي في مختلف المجالات، وتحقق تطلعات مواطنيها لمزيد من التكاتف والتلاحم والتآزر لمواجهة التحديات كافة، والحفاظ على أمن واستقرار دول المجلس والمنطقة عموما.
مبادئ ثابتة للمملكة
ظلت سياسة المملكة مع مرور العقود الماضية، ثابتة على مبادئها، ومواقفها الكبيرة في كل معترك سياسي تخوضه أو تحديات عسكرية، تستهدف المملكة والمنطقة، وهاهي سياساتها ومواقفها القوية الحكيمة تعطي دليلا عمليا على حجم وأهمية مسؤوليتها وموقعها الإقليمي وتأثيرها العالمي المهم، الذي يحسب له ألف حساب ، ودائما محل ثقة المجتمع الدولي ، وذلك بفضل المواقف المشرفة ودورها البارز في محاربة الإرهاب، والقضاء عليه وحفظ دول الجوار من الأطماع الخارجية.
ويتجلى حرص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي عهده الأمين – حفظهما الله – على أن تبقى المملكة بدورها المؤثر في السياسة الخليجية، وذلك بوفائها لتعهداتها وصداقاتها، وكذلك بإيمانها بمفاهيم السلام والمصالح المتبادلة، والوقوف بجانب الحق والعدل دوماً على أسس ناصعة، أوتعزيز المسئولية الجماعية تجاه أمن واستقرار منطقة الخليج ، ودعم حق دول المجلس في الدفاع عن أمنها وصيانة استقلالها بالطرق التي تراها مناسبة، في إطار مبادئ القانون الدولي العام.
لقد أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ، في كلمته خلال ترؤسه اجتماعات الدورة السادسة والثلاثين للمجلس، وذلك بقصر الدرعية بالرياض ، على أهمية التكاتف وتعزيز الأمن والاستقرار بقوله – حفظه الله : “مع ما تنعم به دولنا، ولله الحمد، من أمن واستقرار وازدهار، فإن منطقتنا تمر بظروف وتحديات وأطماع بالغة التعقيد، تستدعي منا التكاتف والعمل معاً للاستمرار في تحصين دولنا من الأخطار الخارجية، ومد يد العون لأشقائنا لاستعادة أمنهم واستقرارهم، ومواجهة ما تتعرض له منطقتنا العربية من تحديات وحل قضاياها، وفي مقدمة ذلك قضية فلسطين واستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، في إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس.
وأضاف الملك سلمان: “وبالنسبة لليمن، فإن دول التحالف حريصة على تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن الشقيق، تحت قيادة حكومته الشرعية، ونحن في دول المجلس ندعم الحل السياسي، ليتمكن اليمن العزيز من تجاوز أزمته، ويستعيد مسيرته نحو البناء والتنمية”.
وتابع خادم الحرمين الشريفين قائلاً: “إن على دول العالم أجمع مسؤولية مشتركة في محاربة التطرف والإرهاب والقضاء عليه، أيًّا كان مصدره، ولقد بذلت المملكة الكثير في سبيل ذلك، وستستمر في جهودها بالتعاون والتنسيق مع الدول الشقيقة والصديقة بهذا الشأن، مؤكدين أن الإرهاب لا دين له، وأن ديننا الحنيف يرفضه ويمقته، فهو دين الوسطية والاعتدال”.
مرتكزات ومنطلقات أساسية
والمملكة وهي تؤكد على مبادئ وثوابت نهجها البنّاء؛ خليجيا وعربيا وإسلاميا ودوليا ، توصل هذه السياسة الحكيمة من خلال منطلقات ثلاث ، تناولها معالي وزير الدولة للشئون الخارجية الدكتور نزار مدني ، في محاضرة له مؤخرا في القاهرة خلال أمسية ثقافية ، أقامها معالي سفير خادم الحرمين الشريفين بالقاهرة، مندوب المملكة الدائم لدى جامعة الدول العربية السابق ، وزير الدولة لشؤون الدول الإفريقية حاليا أحمد بن عبد العزيز قطان، بحضور عدد من الوزراء والشخصيات العامة والمفكرين والسياسيين والسفراء ورؤساء مجالس إدارات ورؤساء تحرير بعض الصحف والكُتاب والإعلاميين، حيث قال الدكتور نزار مدني: إن أول تلك المحاور هو محور الثوابت.
فمنذ أن تأسست المملكة العربية السعودية، على يد الملك الراحل عبد العزيز آل سعود- يرحمه الله- وهي تسير على منوال ومنهج ثابت في سياستها الخارجية، والمبادئ الأساسية التي حكمت ولا تزال تحكم هذا النهج لم تتغير، أو تتبدل على مر الزمن، وهي تتمثل في أن أي قرار أول تحرك سياسي خارجي تقوم به المملكة العربية السعودية ينبع أساساً من حقيقة أولية، مؤداها أنها جزء من الأمة العربية والإسلامية ، مؤكدا أن السياسة الخارجية للمملكة تتسم بأخذها بالأساليب الجادة المعتدلة البعيدة عن الصخب والضجيج، وعدم تعاملها بوجهين أحدهما معلن والآخر مستتر، ونفورها من الشعارات المضللة والطروحات الجوفاء الخالية من المضمون، إلى جانب ابتعادها عن أساليب المزايدات والانفعال، واعتمادها على معالجة القضايا بالكثير من الهدوء والحكمة العقلانية والتبصر.
وأكد الدكتور مدني، أنه من الثوابت المهمة أيضاً إيمان المملكة العربية السعودية الراسخ بالسلام العالمي، وبالاستقرار الدولي والإقليمي، كهدف أساس من أهداف سياستها الخارجية، ووضع أسس للعدالة في التعامل بين الدول في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لقناعتها الثابتة بأنه بدون الاستقرار، لن يتسنى للشعوب تحقيق تنميتها وازدهارها ورخائها.
أما بالنسبة للمحور الثاني، وهو الخاص بـ “المتغيرات والمستجدات” على الساحة الدولية، أوضح وزير الدولة للشئون الخارجية، أن هناك عدداً من المستجدات والمتغيرات التي فرضت نفسها على العلاقات الدولية، وحظيت بعناية فائقة من قبل صانعي القرار السياسي في المملكة، ويتم التعامل معها بكثير من الموضوعية والحكمة والاهتمام، ومنها قضايا الإرهاب، وحوار الحضارات، وتأثير ثورة الاتصالات والمعلومات على أساليب الدبلوماسية المعاصرة، والتغير في هيكلية العلاقات الدولية.
ثم انتقل الوزير مدني للتحدث عن المحور الثالث، الذي أشار إليه في البداية، وهو “محور التحديات”، مؤكداً أن التهديد الإيراني للأمن والاستقرار في المنطقة، يأتي في مقدمة هذه التحديات، مشيراً إلى تدخل إيران السافر في الشؤون الداخلية للدول، قائلاً: “منذ قيام ما يُسمى بالثورة الإسلامية في إيران في عام 1979م، وحتى الآن وجدت المملكة العربية السعودية نفسها في مواجهة مستمرة مع التحدي الإيراني، الذي أخذ عدة أشكال وصور ، وتتصدى لها المملكة بكل حزم.
دعم مسيرة التعاون
إن المملكة بمكانتها الإقليمية والدولية وبحكمة قيادتها، تمثل عمقا استراتيجيا لشقيقاتها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتقوم بدور فاعل في تحقيق أهداف مجلس التعاون الخليجي عبر مختلف الصُعد الداخلية والخارجية في دعم كل عمل يسهم في تعزيز العمل البيني المشترك، وكذلك مع العالم الخارجي، عربيا وإسلاميا ودوليا؛ خدمة للقضايا ومواجهة التحديات المختلفة التي تخص دول المجلس وتؤثر على استقراره. وكثيرة هي المواقف السعودية الداعمة لمسيرة المجلس بحكمة عالية وإرادة العمل المشترك النابع من الحرص على مصالح دول المجلس وشعوبها ، وهو مايمكن رصده عمليا عبر مسيرة مجلس التعاون، ولاتزال، ومن ذلك :
– في المجال الأمني تعد المملكة في مقدمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في إدراك أهمية التعاون على الصعيد الأمني، إيمانا منها بأن الخطط التنموية والتطور والازدهار لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل الأمن والاستقرار؛ حيث سبق وأن وافق مجلس الوزراء على الاتفاقية الأمنية بين دول المجلس، وتعد الاتفاقية إطارا ينظم التعاون الأمني بين الدول الأعضاء في مختلف مجالاته، إلى جانب تعزيزها لمجالات العمل المشترك الأخرى. كما وافق مجلس الوزراء في المملكة قبل سنوات على الإستراتيجية الأمنية الموحدة لمكافحة ظاهرة التطرف المصحوب بالإرهاب في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
– على الصعيد العسكري اتسم التعاون العسكري بين دول المجلس بالعمل الجاد في بناء وتطوير القوى العسكرية الدفاعية بدول المجلس، وفي نطاق الدفاع المشترك لدول المجلس، بادرت المملكة متضامنة مع شقيقاتها دول المجلس إلى تشكيل قوة درع الجزيرة، وجاءت الاتفاقية تتويجاً لسنوات من التعاون العسكري، وبلورة الأطر ومنطلقات أهدافه ولتؤكد عزم دول المجلس على الدفاع الجماعي ضد أي خطر يهدد أيا منها، كما تضمنت الاتفاقية إنشاء مجلس للدفاع المشترك.
– وفي الشأن الاقتصادي، كان التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء، يعد أحد الأهداف الأساسية لمجلس التعاون ، كما تعد الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بين دول المجلس محوراً أساسا من محاور العمل المشترك، في إطار مجلس التعاون؛ سعيا لتحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء. وفي هذا الصدد صدر مرسوم ملكي بالمصادقة على الاتفاقية الاقتصادية الموحدة.
– وعلى الصعيد التجاري، اهتمت المملكة بتعزيز الروابط التجارية بين الدول الأعضاء، وعملت على تعزيز وتطوير كل ما يعود بالنفع في هذا المجال على دول ومواطني دول المجلس.
– وفي المجال الصناعي، خطت المملكة العربية السعودية خطوات ملموسة في مجال التعاون الصناعي، وعملت على تدعيم هذه الخطوات، التي تعزز التنمية الصناعية بدول المجلس متضامنة في ذلك مع الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ حيث اتخذت المملكة قرارات فاعلة في هذا الاتجاه، واعتماد النظام الموحد لحماية المنتجات الصناعية ذات المنشأ الوطني في دول مجلس التعاون.
– وفي مجال الكهرباء، خطت المملكة ودول مجلس التعاون خطوات حثيثة في مجال العمل المشترك بقطاع الكهرباء ، ومن القرارات الداعمة التي اتخذتها المملكة في هذا المجال موافقة مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية على البدء في الخطوات التنفيذية للمرحلة الأولى من مشروع الربط الكهربائي. كما وافق على تأسيس هيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
– وفي مجال النقل وافق مجلس الوزراء على طلب وزارة النقل قيام الوزارة بإعداد التصاميم الهندسية لمشروع إنشاء شبكة سكة الحديد بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومتابعة تنفيذ المشروع.
وهكذا تسعى المملكة العربية السعودية بقيادتها الحكيمة إلى تعميق الدعم والتعاون لمسيرة مجلس التعاون الخليجي، في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وغيرها من خلال حشد الطاقات؛ وفق تخطيط مدروس لتحقيق المصالح المشتركة وللحفاظ على المنجزات والتوازن الحضاري بين دول المجلس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.