كتب: هيثم كابو
* التاريخ تصنعه الأفكار اللا تقليدية، وتحفظه الأحداث المفصلية، لذا من حق الأنغام أن ترقص طربا بعودة صوت غاب لسنوات طويلة ولكنه لم يشخ، على العكس تماما عانق الأذان شجيًا نديًا زادته فترة الغياب عذوبة وعمقا، صوت تعتق بالآهة والتجارب، وسكب في الآذان وقار السنين وحنين العقود الراحلة،
وكأنه نبت في تجاويف الزمن، وخرج كترتيلٍ دافئ يربت على تعب الأيام، وينطلق في الفضاء مترعا بالطلاوة والحب والإحترام.
* الصوت الذي ظللنا نقول دوما أن مقعده في صف الأغنية العربية الأول شاغر، أثبت في الرياض “بيانا بالنغم” أن الكرسي الوثير لا يجلس عليه إلا فضل شاكر.
* بعد أربعة عشر عاما من الصمت، والغياب، ومن الأغنيات التي كانت تُسجل في غرفة مغلقة وتخرج إلى الناس كرسائل في زجاجة، صعد فضل شاكر إلى مسرح أبو بكر سالم في بوليفارد سيتي، لم يصعد كمطرب يفتتح موسم الرياض، بل كغائب يعود إلى بيته، والعنوان الذي اختاره المنظمون كان دقيقا حد الوجع: “عودة الغايب”.
* في الساعة العاشرة مساء أمس الأول “الخميس”، أُطفئت الأنوار فأشتعلت الأرواح بريقا، ليعرض فيديو افتتاحي لموسم الرياض بنسخته السابعة، ثم جاء صوت مألوف يقول: “أهلا وسهلا بكم في موسم الرياض”، صوت معالي المستشار تركي آل الشيخ، الرجل الذي آمن أن الفن يمكن أن يكون جسر عبور، وأن الرياض يمكن أن تكون حضن الغائبين الآمن، فلولا قراره، ورعاية الهيئة العامة للترفيه، وشركة “بنش مارك”، لظل فضل حبيس الأستوديوهات والعزلة وغياب السنوات.
* تركي آل الشيخ لم يقدم حفلة، قدم مصالحة بين صوت وجمهوره، وحين نشر “أول طلة للفنان فضل شاكر الليلة” كان يعرف أنه لا يعكس حفلا، بل يوثق لحظة تاريخية.
* أضاءت الألعاب النارية السماء، وظهر رجل نحيل، بلحية خفيفة، وعينين تلمعان بالخوف والمحبة والامتنان والشوق، تصفيق الآلاف لم يكن أستقبالا دافئا فحسب، كان سيل مشاعر انفجر، فالجمهور لم يردد اسمه، هتف بذاكرته، كل واحد منهم كان يستدعي مراهقته، بأول حب، بأول وعد، بأول خيبة: و”يا غايب ليه ما تسأل.. أحبابك اللي يحبونك”.
* قالها فضل شاكر بصدق طفل: “حلم والله حلم.. الله حققلي هو بالرياض”. وقال بعدها: “المشاعر ما بتنوصف.. أكرموني الله يكرمهم”. لم يكن يمثل التواضع، كان التواضع نفسه يقف على قدمين. رجل عاد من حافة العدم، سلم نفسه في أكتوبر 2024، مر بتقلبات ومعاناة ومحاكم وبراءة وكفالة ورفع منع سفر، ليجد نفسه بعد عام واحد فقط أمام آلاف يبكون معه.
* افتتح بـ “إلا وأنا معاك” حفل العودة وكأنه أعتذار غنائي مكتوب للجمهور عن سنوات الغياب، ثم “الحب وبس”، و”يا غايب” تلك الأغنية “الأيقونة” التي حولت المسرح إلى كورال من ستة آلاف حنجرة.
* “هوى الجنوب”،”يا حياة الروح”، “بياع القلوب”، “أنا اشتقتلك”، “فين لياليك”، “روح البحر”، “صحاك الشوق”، “افترقنا”، وكل أغنية كانت عنوان لشوق سنوات ومفتاحا لصندوق ذكريات.
* وتظل الدهشة حصرية على هيئة الترفيه عندما تفكر خارج الصندوق،
لذا كانت للمفاجآت طعم الدمع، فهاهو محمد ابن فضل شاكر يصعد للمسرح، الشاب الذي يحمل ملامح أبيه وصوته، غنيا معاً “كيفك ع فراقي” لأول مرة على مسرح، ثم “القمر ديالي”. لحظة أب يرى استمراره في ابنه، وابن يرى شرعيته في حضن أبيه، والجمهور يبكى.
* المفاجأة الثانية كان دويتو القيثارة مع “صوت العشاق”، فهاهي نوال الكويتية تدخل لتغني معه “أحاول”، ذاك الدويتو الذي جمعهما قبل عشرين عاماً، كأن الزمن توقف ليصلح ما أفسده ” القهر”.
* أسدل الستار على الحفل “اللوحة” بـ”أحلى رسمة”، ليكشف فضل عن عمل جديد انتهى من تصويره بعنوان “عمري الباقي”، وكأنما يريد أن يقطع وعدا بالتواصل الحميم طيلة “العمر الباقي”.
* مساء “خميس العودة”، لم يعد فضل شاكر فقط، عادت فكرة أن الصوت المعتق لا يموت، وإن غاب لسنوات، وأن الجمهور قد يغضب، يسأل، يحزن، يخاصم، لكنه لا ينسى من لامس قلبه مرة ومرات، وأن هناك في الرياض، رجلا اسمه تركي آل الشيخ، قرر أن يجعل من المستحيل حفلا، ومن الحلم حقيقة، ومن عودة الغايب، بداية جديدة.
* أهلا بعودة فضل شاكر إلى مقعده الشاغر، لقد طال انتظار الناس والنغم الكرسي.

