حاورته عائشة العتيبي (الدمام)
من جيل الملاعب المتواضعة إلى عصر الملايين والاستثمار العالمي، عاش الكابتن خليل الزياني.
عاش مراحل التحول الكبرى في كرة القدم السعودية؛ لاعبًا ومدربًا، وصاحب تجربة طويلة جعلته أحد أبرز الشهود على تطورها وتحدياتها.
في حوار صريح مع صحيفة “البلاد”، يضع الزياني يده على عدد من الملفات، التي يرى أنها تستحق المراجعة، بدءًا من تضاعف أعداد اللاعبين الأجانب وتأثير ذلك على فرص اللاعب السعودي، مرورًا بتراجع حضور النجوم القادرين على قيادة المنتخب، وصولًا إلى عدالة الاستثمار بين الأندية، ومستقبل أندية المنطقة الشرقية، والتحكيم وتقنية VAR.
الزياني طرح قرارات يراها ضرورية لاستعادة قوة اللاعب السعودي؛ظ من بينها تقليص عدد الأجانب، وفتح المجال أمام المواهب السعودية للاحتراف الخارجي، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في الدعم والاستثمار بين الأندية.
وفي حديثه عن نادي الاتفاق، الذي وصف حاجته سابقًا لـ «عملية جراحية»، يتحدث الزياني بوضوح عن الدعم واختيار المحترفين والإدارة، فيما يرفض اختزال أزمة المنتخب في شخص واحد، مؤكدًا أن المسؤولية عن واقع الكرة السعودية مشتركة وتحتاج إلى دراسة شاملة.
حوار يستعيد فيه أحد أبرز رموز الكرة السعودية ذاكرة الأمس، ويضعها أمام واقع اليوم.. فإلى الحوار..
• كابتن خليل.. لو كنت صاحب القرار اليوم، ما هو أول قرار ستتخذه لإصلاح كرة القدم السعودية؟
– أهم ما أراه وأؤكد عليه، هو ما تعانيه الكرة السعودية اليوم على مستوى المنتخب من ندرة النجوم، وندرة اللاعبين القادرين على قيادة المنتخب للمنافسة، سواء على مستوى الآسيوي أو العالمي.
ومن هنا أول قرار على المسؤولين اتخاذه، هو تقليص عدد اللاعبين الأجانب في الدوري السعودي، فبدلًا من 9 أو 10، يكون 5 أو 4.
قرار آخر: أحيانًا يتم سؤالي ويقال: إن بعض الدول الأوروبية تأخذ لاعبين أجانب من هنا ومن هنا، وأنا أرد: هذه الدول مثلما تأخذ، تعطي، فاللاعب الإسباني يذهب ويلعب في البرتغال، والبرتغالي يذهب ويلعب في إنجلترا، والفرنسي يلعب في إيطاليا، والإيطالي يلعب في إنجلترا… ثم عندما يأتي مدرب المنتخب ليجمعهم في معسكرات لمواجهات قارية أو عالمية، يجد أن هؤلاء اللاعبين أخذوا فرصتهم كاملة في الدوريات التي يتطورون فيها.
لكن نحن نأخذ ولا نعطي، وهذا خطأ إستراتيجي، وعلى سبيل المثال الكابتن سعود عبد الحميد هو تقريبًا اللاعب السعودي الذي جمَّل وحسَّن صورة الكرة السعودية بمستواه وصبره، فالناس بدأت تسمع عن الدوري السعودي والكرة السعودية من خلاله، فالأمل أن يكون هناك تبادل مصالح.. نأخذ لاعبين ونُعطي لاعبين أيضًا.

• ما الشيء الذي تخشى أن تخسره كرة القدم السعودية في عصر المال والاستثمار؟
– نحن نُحضر اللاعب الأجنبي ونمنحه الملايين، وفي المقابل اللاعب السعودي يحصل على الترتيب الأقل إذا لم يُوازن الأمر، والخوف هنا ليس من المال بحد ذاته، بل من أن اللاعب السعودي إذا حظي بالمعاملة المادية، وارتفع عقده وأجره، قد يعتقد أن هذه هي النهاية، وأنه وصل إلى المرحلة التي تعني أنه لن يعطي أكثر مما أخذ.
فنحن نقول للاعب السعودي: خذ على قدر إمكاناتك، وأعطِ أكثر مما أخذت، لأن القيمة الحقيقية ليس في العقد فقط، بل في الأداء والانضباط والاستمرار.
• لو أعطيت لك صلاحية واحدة خلال 24 ساعة.. ما القرار الذي ستتخذه دون تردد فيما يخدم كرة القدم السعودية؟
– القرار ألا يكون هناك تمييز في البذل والعطاء والاستقطاب والرعاية على 4 أو 5 أندية فقط والاستثمار بهذه الأندية فقط، فيما نسمع عن أن هناك توجهًا بتقسيم هذه الأندية على الشركات الكبرى والاستثمار بها.
فنحن أصلًا أمام واقع مختلف؛ عندنا 5 أندية معروفة كأندية تابعة للاستثمار، وهي الهلال والاتحاد والأهلي والنصر، والقادسية المرتبط بأرامكو، والمتبقي لدينا قرابة 15 ناديًا، والسؤال هؤلاء البقية إلى أين تذهب؟ وكيف تنافس؟
وفي الحقيقة غياب العدالة يعني خطرًا.. ناد فقير قوته تموت، وهذا معناه أنه قد لا يظل ولا يبقى في دوري المحترفين، وإن بقي يكون في المركز السابع أو الثامن وما بعده، في حين أن الأندية الأخرى تنافس على البطولات، وهذا خلل كبير.
• هل ترى أن استقالة ياسر المسحل كانت كافية لتحمل المسؤولية عما حدث للمنتخب؟
– المسؤولية يتحملها الجميع، وأرى أن قد يكون عطاء وقدرات المسحل كرئيس للاتحاد لا تتحمل هذا الكم الهائل من الضغط النفسي بهذه الفترة، لذلك لا أرى أن الأمر يُختصر في شخص واحد؛ فالمسؤولية مشتركة بين كافة العاملين.
فيجب على الجميع عمل دراسة مستفيضة لحالة كرة القدم السعودية، خاصة ما يخص المنتخب؛ كونه الذي يشارك، وهو الذي يصل للآسيوية والعالمية، وهو الذي يحمل سمعة الكرة السعودية إلى هذه المحافل.
• بدر الرزيزاء تسلم الاتحاد في مرحلة حساسة. هل ترى أنه الرئيس المناسب لهذه المرحلة؟ وما الرسالة التي توجهها له؟
– أخذ مثل هذه القرارات ليس لنا شأن فيه، فهي صلاحيات مسؤولين يضعون، يقيلون ويُديرون، وهي مسؤوليتهم المباشرة.
وأتمنى له التوفيق، وأن تكون مسؤوليته عن كرة القدم السعودية في مرحلة تحسين حقيقي للأفضل والأحسن، وبكل تأكيد ليست رؤيتي أنا هي نهاية المطاف، فهناك رؤى أخرى لدى غيري، وليس بعيدًا عن ذلك تحدثت أنا أيضًا عن تجربتي ومشاهدتي الطويلة للكرة السعودية منذ سنوات، عندما كانت الأمور مختلفة: لا ملاعب، لا مقرات، لا مادة، لا أرضيات… مجهودات فردية وعطاء متواضع.
فنحن نريد أن نسبق الآخرين، وأن نصل بالكرة السعودية إلى ما كانت عليه في الثمانينات والتسعينات وبداية الألفية، فتخيل معي: لعبنا وحققنا بطولة، وأعطونا 200 ريال. ثم فوز آخر 500 ريال. مباراتان وبطولتان وكأسان، وفي نهاية المطاف 700 ريال. اليوم المبالغ تتغير بالكامل، وهذا يعطي تصورًا للقفزة التي حدثت في الكرة السعودية، وبغض النظر، هناك غيرنا يعمل ويصعد، وهناك استثمارات ووصول للمحافل الدولية.
• هل ترى أن الاتحاد السعودي اليوم يتمتع بالاستقلالية في القرار بشكل كافٍ بعيدًا عن تأثير الأندية أو الجهات الأخرى؟
– هذا السؤال في الأساس موجه للمسؤولين في الاتحاد، وعندهم الإجابة. أما أنا فبعيد عن التفاصيل التي تُدار من الداخل، فكل جهة لها رأي مختلف.
لكن عمومًا الأمور هذه لا تُؤخذ بدقة ولا تُحسب كما ينبغي. لماذا؟ لأن لكل شخص توجهًا ورأيًا وميولًا؛ ومصلحة هذا قد لا تكون مثل مصلحة ذلك، والحل الأفضل هو دراسة شاملة للكرة السعودية من خلال الأندية، وتحديد نسبة اللاعبين الأجانب وانتداب اللاعبين السعوديين الصغار عمرًا من مختلف الفئات السنية، وتوجيههم إلى الدول الكبرى والدوريات العالمية على قدر الإمكان، وكذلك إن استقدمنا عددًا معقولًا من الأجانب، فيكون هذا داخل إطار متوازن، وليس كحل بديل.
• في ظل تضخم قيمة اللاعب السعودي بسبب الدعم المالي الكبير للأندية، هل أصبح اللاعب يحصل على أكثر مما يستحق؟
– إذا كان هناك لاعب أجنبي يُستقدم ويأخذ الملايين، وفي المقابل نُقصّر بحق اللاعب السعودي، فالمتأثر هو اللاعب السعودي، بينما المطلوب توازن في العطاء وتوازن في البذل، وإعطاء كل لاعب حقه دون ظلم، ونأمل أن نصل إلى مرحلة تُرضي الجميع.
• لو طلبنا منك اختيار 3 لاعبين سعوديين حاليين تراهم قادرين على قيادة المنتخب مستقبلًا.. من هم؟
– الاختيار صعب جدًا حاليًا، إذا بدأت من حارس المرمى فهو غالبًا أجنبي، وإذا بدأت من الدفاع فمعظم اللاعبين في الأندية أيضًا أجانب، وهو حال الوسط والمهاجمين، لذلك أحيانًا الإنسان يحتار فليس هناك تصور واضح، والمشاهدة المباشرة وحدها قد لا تكون كافية للحكم بهذه الأمور.
• من تراه الأفضل الذي يمكنه الاحتراف خارج المملكة؟
– في الحقيقة أخجل أن أقول لك: أنا لا أتابع الدوري كثيرًا؛ لأن الشغل الشاغل لي رياضيًا هو الاتفاق، وطالما الاتفاق ليس في صحته، وطالما الاتفاق ليس في مكانة مميزة، وطالما الاتفاق أراه بين حين وآخر يخفق بعض الأحيان، فلا يوجد ما يثير اهتمامي.
أنا في أحد الأيام، ولا أخفي عليكِ كسرت تلفزيون عندي 75 بوصة، لأن الاتفاق كان متقدمًا قبل أن يتأخر ويخسر اللقاء، حينها رميت ملعقة على الشاشة لعدم تحملي هذه الخسارة والمستوى، فأنا الآن تجاوزت 76 سنة، ولا أتحمل هذه الضغوطات النفسية، وخلاصة الحديث متابعتي للدوري أصبحت محدودة، وسبب من الأسباب ما يتعرض له الاتفاق من تراجع في المستوى، وعدم إعطائه حقه في الدعم، فالاتفاق خلال ثلاث مواسم أصبح يصارع مع الآخرين على المراكز المتأخرة، مثل السابع والثامن وأحيانًا السادس.
• قلت مؤخرًا: إن نادي الاتفاق يحتاج إلى عملية جراحية.. ما المرض الحقيقي الذي يعاني منه الاتفاق؟
– أولًا الدعم.. الشركة الحاضنة، وثانيًا حسن اختيار اللاعب الأجنبي، والخلل هنا قد يرتبط بهذا الأمر، فإذا لم يكن الدعم جيدًا مثلما يحدث في أندية أخرى، فلن تكون القدرة على جلب خيارات قوية بنفس المستوى. القادسية مثلًا وجد الدعم الذي مكنه من انتقاء اللاعبين المناسبين؛ لأن اللاعبين الجدد يحتاجون إلى مادة، والمادة متوفرة عند أرامكو، بينما لا تتوافر بنفس المستوى لدى غيرهم.
ثالثًا إداريًا؛ حيث توجد ظروف وسنوات كان فيها الفريق يتأثر بحالة عامة، وفي السنة التي تسلم فيها خالد الدبل الإدارة كانت الأوضاع متقاربة بين الأندية، إلا بعض الأندية الكبيرة التي لديها دعم واضح. من هنا قد يكون الاتفاق لم يكن بالشكل المطلوب.
وفي مرة سابقة قلت: فترحل—أي ترحل إدارة خالد الدبل—وكان هناك تفاعل مع كلامي. الآن الناس تطالبني ويقولون: أين أنت عن كلمة ارحل؟ أنا أقول: نعم يوجد تقصير وإهمال في بعض الأوجه، لكن عذر الإدارة أن هناك فروقات في الدعم. هناك أندية مدعومة وثابتة في الدعم، ولديها لاعبون بمستوى أعلى وتدفع ملايين. ونحن لسنا مثلهم. من هنا لا أستطيع أن أكرر كلمة ارحل.
• هل تؤيد دخول شركات كبرى في المنطقة الشرقية للاستثمار في أندية المنطقة بدل انتظار الدعم الحكومي؟
– الناس تتداول أسماء.. قيل سابك مثلًا، لكن أسهمها 70% لمصلحة أرامكو، فإذا جاءت أرامكو؛ فالأمر مرتبط. كذلك قيلت STC وبعض الشركات العائلية، مثل الراشد وغير ذلك. لكن من غير الممكن أن يدخل أي مستثمر ويكتفي بالاستعراض. يجب أن يكون الاستثمار قويًا ومنافسًا حقيقيًا. أما الأهم: إذا كان الوضع قائمًا ويأتي دعم من الوزارة، فالدعم وحده قد يكون كافيًا للدفع، لكن ليس على حساب العدالة.
• تقنية الـ VAR جاءت لتقليل الأخطاء.. لكننا نشاهد جدلًا أحيانًا.. هل المشكلة في التقنية أم في تفسير الحكم؟
– هي مزيج من الاثنين، ولكن ما يتم تداوله أن هناك شرطًا على الحكم، وهو أنه في حال عودته للـ VAR يخصم منه ماليًا. لهذا لا يعود بعض الحكام أحيانًا؛ خوفًا من الخصم، والـ VAR بكل الأحوال قد تكون العودة له مفيدة، ولكنه سلاح ذو حدّين، قد ينفع وقد لا ينفع إذا لم يكن التطبيق متوازنًا.
• هناك تباين في التحليل بين خبراء التحكيم لبعض الحالات.. كيف تفسر ذلك؟
– بسبب عدم وضوح الرؤية الصحيحة، وفي بعض الحالات تكون الميول حاضرة لدى خبراء التحكيم.
• عدم الثقة في الحكم السعودي واختيار الحكم الأجنبي، بماذا تفسر ذلك؟
– الخوف من ميول الحكم السعودي، وهذا أمر غير طبيعي، لا أعتقد أننا وصلنا إلى هذا المستوى حاليًا، ممكن في أزمنة سابقة، لكن الآن الوضع مختلف، ففي التلفاز تشاهدون الإعادات مرات كثيرة؛ لذلك تصبح قرارات الحكم أكثر حذرًا في بعض الأحيان.
وفي المقابل هناك بعض الأندية تطالب بالحكم المحلي؛ لأن الحكم الأجنبي يكلف، ولأن النادي الذي يستقدم حكمًا أجنبيًا يدفع مقابلًا ماديًا.
• كيف يمكن تأهيل الحكم السعودي وهل التدريب والدورات كافية؟
– الدورات للمبتدئين شيء مهم، لكنها ليست كافية وحدها، حين يدخل الحكم المجال الدولي، ويخوض مباريات عالية المستوى، وينتقل من مباراة لمباراة، ويظل في الدوري العام لموسمين أو ثلاثة مواسم، يتطور بفضل الخبرة، وفترة ممارسته للتحكيم، وبالاحتكاك الحقيقي بالمستويات الأعلى.





