مقالات الكتاب

خدعوك فقالوا «ارحل»

خدعوك فقالوا.. “ارحل”.
نعيش أوطاننا؛ باعتبارها جزءاً طبيعياً من حياتنا، حتى إننا لا ننتبه أحياناً إلى قيمتها في تفاصيلنا اليومية. نتنفس هواءها، نمشي في شوارعها، نختلف حول بعض شؤونها، وننزعج أحياناً مما يحدث فيها، ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئاً لم يكن. فالوطن ليس فكرة، بل حياة نعيشها وذكريات تكبر معنا، ووجوه ارتبطنا بها، وأماكن شهدت خطواتنا الأولى.
لكن هذه الصورة تتغير حين يتدخل طرف آخر في علاقتنا بوطننا؛ طرف لا يعيش تفاصيل حياتنا، ولا يعرف ما نحمله تجاه وطننا من مشاعر، لكنه يحاول أن يغيّر نظرتنا إليه، وأن يعيد رسم علاقتنا بالمكان الذي ولدنا فيه وكبرنا على أرضه، وتشكل فيه جزء كبير من ذاكرتنا ووجداننا.
وهنا لا يبدأ التحريض بدعوة صريحة إلى الرحيل، بل يبدأ بخطوة تجعلك تنظر إلى وطنك بعين غيرك.
يبدأ الأمر بموقف لم يعجبك، أو تجربة أزعجتك، أو قرار اختلفت معه. وهي أمور تحدث في حياة كل إنسان، ولاتجعل من وطنه عدواً له. لكنّ المحرض يلتقط هذه اللحظة، ويعيد تقديمها بصورة مختلفة؛ يذكّرك بما أغضبك، ويكرر أمامك ما يزعجك، ويضخم الأخطاء، حتى تضيق الصورة في عينيك، فلا ترى منها إلا الجانب الذي يريدك أن تراه.
ومع الوقت، يتغير شيء في داخلك… ما كنت تراه خطأً يمكن إصلاحه، يصبح دليلاً على أن كل شيء خاطئ. وما كنت تختلف معه، يتحول إلى سبب للنقمة. وما كان موقفاً عارضاً، يصبح رواية كاملة عن وطنك.
وهنا تبدأ أخطر مراحل التحريض: من النقد إلى النقمة، ومن النقمة إلى الكراهية.
فالمحرض لايقول لك في البداية: اكره وطنك.. فهو أكثر خبثاً. يبدأ بسؤال، ثم قصة، ثم موقف، ثم مقطع، ثم حديث عن كل ما هو سلبي. يعرف أن الكراهية لاتأتي دفعة واحدة، وإنما تتسلل بالتدريج؛ فكرة بعد فكرة، وموقفاً بعد موقف، حتى يأتي اليوم الذي تنظر فيه إلى وطنك؛ فلا ترى إلا الصورة التي رسمها لك.
خدعوك فقالوا…
قالوا: إن مشكلتك ليست في موقف محدد يمكن مناقشته، ولا في قرار يمكن تغييره، بل في وطنك كله.
قالوا: لا شيء سيتغير، وإنك لن تجد مستقبلك إلا بعيداً عن وطنك. ومع التكرار، تتغير علاقتك بوطنك دون أن تشعر. ما كنت تراه خطأً أصبح في عينيك عيباً لا يُغتفر، وما كنت تختلف معه أصبح سبباً للكراهية. ثم عندما أصبحت ناقماً، أتت اللحظة التي يريدون الوصول إليها منذ البداية فقدموا لك الرحيل باعتباره الحل.
وهنا تكمن خطورة التحريض، فالمحرّض لا يريد منك أن تفكر بعقلانية. لا يريدك أن ترى الصورة كاملة. يريدك أن تكون غاضباً، لأن الغاضب يسهل التأثير عليه. وبمرور الوقت، يصبح الوطن في ذهنك مجموعة من الأخطاء، وتختفي من الذاكرة كل الأشياء الجميلة التي جعلتك تحبه يوماً.
تنسى بيتك.. تنسى أهلك.. تنسى أصدقاءك.. تنسى سنواتك الأولى.. تنسى أنك كنت جزءاً من هذا المكان قبل أن يأتي شخص يعيش بعيداً عنه؛ ليخبرك كيف يجب أن تشعر تجاهه.
وهنا تكمن المفارقة..
فبعض من يدفعونك إلى الرحيل يعيشون بعيداً عن وطنك. يتحدثون عن حياتك من خلف شاشة، ويقدمون لك نصائح من دون أن يعيشوا يوماً واحداً من تبعاتها. لا يحملون عنك حقيبة الغربة، ولا يشتاقون إلى أهلك بدلاً منك، ولا يقفون معك عندما تكتشف أن الحياة التي وُعدت بها ليست كما تخيلتها.
قد يقول لك أحدهم:” ستبدأ حياة جديدة”.. لكن من سيدفع ثمن هذه البداية هو أنت. أما هو، فقد ينتقل إلى قصة أخرى، وضحية أخرى، بينما تبقى أنت وحدك أمام قرارك.
خدعوك فقالوا: إن كراهية وطنك وعي، وإن الرحيل خلاص.
لكنهم لم يقولوا لك: إن الإنسان يحمل وطنه معه أينما ذهب؛ في ذاكرته، ولغته، وعاداته، وفي حنينه إلى تفاصيل لم يكن يعرف قيمتها إلا بعد أن ابتعد عنها..
لذلك، اختلف كما تشاء، وانتقد كما تشاء، لكن لا تسمح لأحد أن يحول غضبك إلى نقمة، أو اختلافك إلى كراهية، ولا تجعل شخصاً يعيش بعيداً عن وطنك يقرر لك ماذا يعني هذا الوطن.
فالوطن يحتاج إلى أبنائه حين يختلفون، وحين ينتقدون، وحين يصلحون. لكنه لا يحتاج إليهم حين يتحول الغضب إلى كراهية.
وأخيراً يبقى السؤال الذي كان يجب أن يطرح منذ البداية: من المستفيد من أن تكره وطنك؟
فإذا عرفت الإجابة، عرفت لماذا قالوا لك:” ارحل”.

alhijazmusleh@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *