مقالات الكتاب

حالة خاصة !

* كان من الصعب في مجتمعنا العربي حتى وقت قريب أن يمنح الأخ أذنه بكامل الإصغاء؛ ليستمع لشقيقته، وهي تشدو بأغنيات شجية حتى ولو كانت تملك قدرات كوكب الشرق (أم كلثوم)، فكرة الخطوط الحمراء، التي توضع تحت (غناء النساء) لا تزال موجودة، ورغم التغيرات المجتمعية والمفاهيمية الكثيرة التي حدثت، فلا تزال التحفظات قائمة، وإن حاول الكثيرون السعي لإثبات غير ذلك.
* ظللت أتابع في السنوات الماضية باهتمام شديد تجربة غناء المطرب السوداني الشاب ياسين، وشقيقته التي تصغره بحوالي عام خنساء عبد الله خالدة، الذين يغنيان كثنائي بمحبة وتناغم تام، ويكونان (ثنائيًا فريدًا) جديرًا بالتأمل والتحليل والإحترام.
* اللافت لـ(النظر) قبل (السمع)، أن تجربة غناء شاب وشقيقته معًا تمثل اختراقًا اجتماعيًا كبيرًا، وتعد انقلابًا لمفاهيم قديمة، وتجاوز لكثير من الرؤى الرجعية التي لا ننكر أنها لا تزال تسيطر على عقلياتنا؛ رغم ادعاء معظمنا الاستنارة والمشي في دروب الوعي، وأحسب أن هذه الخطوة لعبت فيها أسرة ياسين وخنساء (الأب عبد الله خالد، والأم ايمان القدال) دورًا كبيرًا؛ وإن كان غناؤهما معًا أمرًا جميلًا؛ فإن الأجمل حقا أن الشقيق الأكبر متصالح مع الفكرة حد المحبة، قافزًا بقناعة وفهم فوق مطبات العقد النفسية، وحواجز القيود الاجتماعية.
* ارتبط الأخوان (ياسين وخنساء) ببعضهما، وكونا ثنائيًا بديعًا، يتحركان معًا في كل مكان ويصعدان في عالم الفن سويًا، ويمشيان في دروب النغم كتفًا بكتف، ويصعدان الدرج عتبة عتبة، ويغنيان في (سلم واحد) وهنا يكمن تميز الثنائي الاجتماعي قبل الفني، والذي يرقى لتصنيفهما كظاهرة لا مثيل لها، فهي (رفقة أخوية) جديرة بالدراسة المتأنية، وتأمل المتغيرات الاجتماعية في مساحة أعمق وأكبر من تقارير الصفحات الفنية..!
* في المشهد العربي على مر تاريخه نجد الأمر لم يتجاوز محطة تعاون (الشقيق مع شقيقته) دون الوصول للغناء كثنائي، وأبرز نماذج التعاون تجسدت في أخذ فريد الأطرش بيد شقيقته أسمهان، فلحن لها وشاركها التمثيل في أول أفلامها (انتصار الشباب)، كذلك لم يبخل محمد فوزي على أخته هدى سلطان بأغنياته وألحانه، وإن كانت قد فضّلت الأتجاه للتمثيل والغناء أكثر في الأعمال المسرحية والسينمائية، ولا يمكن أن ننسى أيضًا مواقف وديع الصافي الداعمة لشقيقته المغنية هناء الصافي، التي اعتزلت بعد فترة قصيرة من احترافها الغناء مفضلة العيش؛ كربة منزل وأم متفرغة لأطفالها وبيتها، وتبقى آخر النماذج محاولة نانسي عجرم مساعدة شقيقها نبيل عجرم، الذي خذلته إمكاناته المتواضعة، فلم ينل فيديو كليب (بياع الوفا) الذي قام بتصويره حظه من الشهرة والذيوع.
* إذا تجاوزنا التفرد الاجتماعي لظاهرة (ياسين وخنساء) وأردنا تقديم تحليل فني لتجربتهما؛ كثنائي يتكون من (ذكر وأنثى) يصاحبان بعضهما بصورة مستمرة، ويغنيان معًا في لحظة واحدة بطريقة (الثنائي)، التي تختلف بالطبع عن (الدويتو)، نجدهما يقدمان بلا شك تجربة مختلفة، وذات طعم مغاير وخصوصية، ليمثلان لوحدهما سابقة ولونية..!
* (الثنائية) التي هي ميزتهما الآن نجدها أكبر مهدد لمسيرتهما، فمع تقدم السن والدخول في تفاصيل زواج وتكوين أسر واستقرار، وربما الوضع قد يتطلب ابتعاد أحدهما عن الآخر؛ فإن حدث ذلك غالبًا ما يتم وأد الفكرة، حتى ولو حاول أحدهما الغناء لوحده؛ ففرصه في النجاح قد تبدو محدودة، وسنوات إقامته بالساحة الفنية ستكون معدودة..!
نفس أخير..
*عليِّ صوتك بالغنا
لسه الأغاني ممكنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *