مقالات الكتاب

حين يطوى الورق ولا تطوى الذاكرة (4-2)

استكمالًا لما كتبته في الأسبوع الماضي في هذه الزاوية، فقد كانت تلك الجولة على كافة مرافق جريدة “الرياض” بالنسبة لي درسًا صحفيًا متكاملًا؛ فقد أتاحت لي أن أرى عن قرب كيف تتحول المادة، التي يكتبها المراسل إلى صحيفة متكاملة تصل في نهاية المطاف إلى يد القارئ. وأدركت خلالها أن الخبر المنشور لا يمثل سوى حلقة واحدة في منظومة عمل متكاملة، تقف وراءها جهود المحررين والمصححين والمخرجين والفنيين والعاملين في الطباعة والتوزيع .
وبعد انتهاء الجولة، اجتمعت مع الأستاذ تركي السديري- رحمه الله- في مكتبه، لمدة ساعتين، جرى خلالهما الاتفاق على تفاصيل المهمة وترتيباتها. فوجدت منه كل الدعم والتشجيع والثقة، وهو ما كان له أثر كبير في تهيئتي للمهمة التي أوكلت إليّ. ولم يكن هذا النهج خاصًا بي؛ فقد كان- كما لمست- أنه أسلوب ثابت في تعامله مع كل الشباب الذين عملوا في “الرياض” قبلي وبعدي؛ إذ كان يمنح الصحفي مساحة للعمل، ويشجعه على المبادرة، ويتيح له فرصة التطور وإثبات الذات. ولذلك بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة كثير ممن عملوا معه، لا بوصفه رئيس تحرير فحسب، وإنما بوصفه داعمًا للطاقات الصحفية ومحفزًا لها.
وفي اليوم نفسه، حضرت اجتماعًا لهيئة تحرير الأخبار المحلية، ولا أنسى حسن الاستقبال والترحيب الذي وجدته من الزملاء، وما صاحبه من تقدير ترك انطباعًا طيبًا لدي منذ البدايات. وقد امتد هذا التعامل إلى مختلف أقسام الجريدة وإداراتها، فوجدت من الزملاء تعاونًا وروحًا مهنية راقية. وكانت هذه البيئة المهنية المتكاملة أحد العوامل، التي جعلت”الرياض” جزءًا أصيلًا من مسيرتي المهنية .
ومع اتساع مهمتي، أصبح ارتباطي المهني بإدارة أخبار الشؤون السياسية والدولية أكثر حضورًا، وأصبح عملي في موسكو يضعني بصورة مستمرة أمام ملفات سياسية ودولية، تحتاج إلى متابعة دقيقة، واتصال دائم بغرفة التحرير، وفهم واضح لاهتمامات الصحيفة، وما تنتظره من مراسلها في الخارج .
وقد أتاحت لي هذه الفرصة شرف لقاء عدد من الشخصيات المهمة، وفي مقدمتهم الأمير سلطان بن عبد العزيز- رحمه الله- الذي زار موسكو، في نوفمبر 2007، والأمير مقرن بن عبد العزيز، في يونيو 2014، وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز-حفظه الله- الذي زار موسكو في أكتوبر 2017، والأمير بندر بن سلطان، والأمير سعود بن نايف، الذي كان يرعى العديد من فعاليات كرسي الأمير نايف لتعليم اللغة العربية في جامعة موسكو الحكومية، إلى جانب عدد من الشخصيات والمسؤولين، الذين التقيتهم في مناسبات مختلفة، وكان لهذه اللقاءات أثر مهم في إثراء تجربتي الصحفية والإنسانية.
كما أتاح لي عملي مراسلًا لـ”الرياض” في موسكو، أن أبني شبكة واسعة من العلاقات المهنية مع صحفيين وإعلاميين من جنسيات وثقافات متعددة، وأن أتابع عن قرب المؤتمرات الصحفية والفعاليات، التي يشارك فيها كبار المسؤولين الروس، فضلًا عن إتاحة الفرصة للقاء عدد كبير من المثقفين والأدباء والمفكرين والدبلوماسيين والسفراء العرب والأجانب.
وكانت هذه العلاقات واللقاءات جزءًا أساسيًا من طبيعة العمل الصحفي في الخارج؛ فالمراسل لا يكتفي بمتابعة الأخبار ونقلها، وإنما يفتح له موقعه مساحة للتعرف إلى أشخاص وتجارب ووجهات نظر متعددة، ويوسع دائرة مصادره ومعرفته، ويمنحه قدرة أكبر على فهم الأحداث في سياقها السياسي والثقافي والإنساني. وقد شكلت تلك السنوات في موسكو، بما شهدته من لقاءات وتجارب واتصالات، مرحلة ثرية في مسيرتي الصحفية، تركت أثرًا يتجاوز ما نشرته من أخبار وتقارير إلى ما اكتسبته من معرفة وعلاقات وخبرات .
ومن الأمور العالقة بالذهن أنه عندما وصلت إلى موسكو، وتوجهت إلى الإدارة المختصة في وزارة الخارجية الروسية؛ لاستخراج التصريح اللازم لممارسة عملي مراسلًا صحفيًا، كانت المفاجأة أنني كنت أول صحفي سعودي يمارس العمل الصحفي مراسلًا من روسيا. وأذكر هذه الواقعة ليس من باب الاستعراض، وإنما من باب التوثيق لتجربة مهنية أعتز بها، وللدلالة على طبيعة المرحلة التي بدأت فيها “الرياض” حضورها الصحفي في الخارج بشكل عام، وما حملته تلك المهمة من مسؤولية وثقة .
هذا، وسوف أستكمل في الأسبوع المقبل، الحلقة الثالثة من هذه التجربة- بإذن الله تعالى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *