حين نسمع عن زيارة مسؤول إلى دولة أخرى، تذهب أذهاننا عادةً إلى الاجتماعات والاتفاقيات والمراسم الرسمية. لكن هناك زيارات لا تتوقف رسائلها عند قاعات الاجتماعات، ولا تنتهي بانتهاء المراسم.
ومن هذا الجانب تبدو زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا مختلفة قليلاً. فإلى جانب اللقاءات الرسمية، يحمل المشهد تفاصيل أخرى تستحق التوقف عندها؛ من بينها حضور حفل اختتام بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس، في مشهد جمع السياسة بالرياضة، والاقتصاد بالثقافة، ووضع كل ذلك أمام جمهور عالمي.
لكن لماذا يلفت هذا المشهد الانتباه؟
ربما لأننا إذا نظرنا إليه بعيداً عن تفاصيل الزيارة، سنجد أنه يقول شيئاً عن شخصية القائد، وطريقة نظره إلى الأشياء.
فالرياضات الإلكترونية، التي كانت عند كثيرين قبل سنوات مجرد ألعاب يقضي فيها الشباب أوقات فراغهم، أصبحت اليوم صناعة عالمية، لها جمهورها واستثماراتها ونجومها؛ ولهذا فإن وجود ولي العهد في نهائي بطولة عالمية من هذا النوع ليس مجرد حضور لمناسبة رياضية. هو اهتمام بمجال أصبح جزءاً من حياة جيل كامل.
وهنا يمكن أن نفهم جانباً من طريقة تفكير الأمير محمد بن سلمان: النظر إلى الأشياء ليس فقط كما هي اليوم، بل كما يمكن أن تصبح غدًا.
وهذا ما حدث في مجالات كثيرة داخل المملكة.
فالرياضة لم تعد مجرد مباريات، والسياحة لم تعد مجرد أماكن نزورها، والثقافة لم تعد نشاطاً بعيداً عن الحياة اليومية، والترفيه لم يعد مجرد موسم، والرياضات الإلكترونية لم تعد مجرد ألعاب.
كلها أصبحت جزءاً من حياة تتغير أمامنا، ومن اقتصاد تتسع مجالاته، ومن صورة جديدة للسعودية، نريد أن نراها بأنفسنا قبل أن يراها الآخرون.
ومن هنا تصبح باريس أكثر من مجرد محطة في زيارة رسمية.
فرنسا دولة لها حضورها السياسي والثقافي والاقتصادي، والعلاقة معها لم تعد محصورة في الملفات التقليدية. هناك مصالح مشتركة، وفرص استثمار في العديد من المجالات، التي يمكن أن تفتح أبواباً جديدة بين البلدين.
واللافت في المشهد أن ولي العهد يظهر في صورتين تبدوان مختلفتين؛
في الأولى، يجلس في لقاءات رسمية تناقش السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية.
وفي الثانية، يجلس بين الجمهور لمتابعة ختام بطولة عالمية للرياضات الإلكترونية.
لكن ربما لا يوجد تناقض بين الصورتين كما يبدو.
فكلاهما يعكس السعودية الحديثة، التي تريد أن تكون موجودة في أكثر من مكان، وأن تتحدث مع العالم بأكثر من لغة؛ لغة السياسة، ولغة الاقتصاد، ولغة الثقافة والرياضة والتقنية أيضاً.
وهنا تحديداً يأتي معنى “ما وراء البروتوكول”.
فالاجتماعات تنتهي، والوفود تغادر، والصور تنتشر، لكن ما يبقى هو الانطباع الذي تتركه الزيارة.
كيف يرى الآخرون السعودية؟
وماذا يعرفون عنها؟
وهل ما زالت صورتها مرتبطة بما كانت عليه قبل سنوات، أم أنهم يرون أمامهم بلداً يتغير بسرعة، ويجرب، ويخطئ أحياناً، وينجح أحياناً أخرى، لكنه في كل الأحوال يتحرك إلى الأمام؟
ولعل حضور نهائي كأس العالم للرياضات الإلكترونية يختصر جانباً من هذه الصورة.
فاليوم، لا يكفي أن تكون الدولة قوية اقتصادياً أو مؤثرة سياسياً. هناك أيضاً قدرتها على صناعة التجارب، وعلى الوصول إلى جيل جديد، وأن تكون حاضرة في الأشياء التي تشكل اهتمامه.
فمن الرياض إلى باريس، لم تكن المسافة بين العاصمتين هي القصة الأهم، بل المسافة التي قطعتها السعودية نفسها.
دولة كانت تُختصر في النفط، أصبحت تتحدث اليوم بلغات متعددة: الاستثمار، والسياحة، والثقافة، والرياضة، والتقنية، والشباب. وقائد لا يكتفي بإدارة الحاضر، بل يدفع بلاده إلى مساحة أوسع في العالم.
وربما لهذا كان المشهد الأبلغ في الزيارة ليس خلف طاولة المفاوضات فقط، بل في الانتقال بين قاعة السياسة ومدرجات الرياضات الإلكترونية؛ ففي المشهدين كان هناك شيء واحد حاضر: السعودية التي تريد أن تكون حيث يُصنع القرار، وحيث يُصنع المستقبل.
محمد بن سلمان في باريس لم يكن يحمل ملفاً دبلوماسياً فحسب؛ كان يحمل معه قصة بلد تغيّر، وطموح جيل، ورؤية تريد أن تجعل من السعودية لاعباً في صناعة المستقبل، لا متفرجًا عليه.
وهنا تحديداً تكمن الحكاية التي تستحق أن تُروى.
alhijazmusleh@
