كم تصلنا من الرسائل التي تفرح بها أرواحنا، وتسعد بها قلوبنا، من أهل وأصدقاء وأحبة؛ قد تكون كلمات قليلة، لكنها كبيرة في أثرها. بعضنا يحتفظ بها سنوات ليعود إليها وقت الحنين، وبعضها قد يتلف ورقها أو تضيع، لكنها تظل عالقة في الذاكرة؛ لأن هناك رسائل لا تحتاج إلى مكان نحفظها فيه، فهي ببساطة تسكن القلب.
وأنا لا أتحدث عن الرسائل العابرة، وإنما عن تلك المفعمة بالمحبة الصادقة، التي تخرج من شعور حقيقي؛ فتصل إلى الروح مباشرة.
ومن النعم التي حباني الله بها عائلة محبة، من ناحيتي ومن ناحية زوجي- رحمه الله، فمن الجانبين أحاطني الله بأحبة أعتز بهم، وأسأل الله أن يبارك فيهم، ويعطيهم فوق ما يتمنون.
واليوم وصلتني رسالتان، كل واحدة منهما تحمل معنى أكبر من حجمها.
الأولى كانت وردة من أحد الأبناء، مشعل.
قد يقول البعض: وما الذي يمكن أن تعنيه وردة؟ لكن الأشياء لا تُقاس بحجمها، وإنما بالقصة التي تقف خلفها.
هذه الوردة لم تكن مجرد وردة اشتُريت وقدمت، وإنما وردة اعتنى مشعل بشجرتها، وزرعها وسقاها واهتم بها حتى أخرجت زهرتها، ثم حملها إليّ.
وهنا يصبح للوردة معنى آخر.
ما أجمل أن نرى أبناءنا يسيرون على خطى آبائهم، ويحملون منهم حب المكان والشعور بالانتماء إلى القرية والأرض والبيت والذكريات. فالانتماء الحقيقي لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما يظهر في الحضور والاهتمام والمحافظة على المكان.
وشكرًا لمشعل على وردته التي تعني لي الكثير؛ لأنها تحمل شيئًا من روحه، وشيئًا من الأرض التي أحبها، وشيئًا من الوفاء الذي تعلمه.
أما الرسالة الثانية فكانت من نشود، تلك الابنة التي كثيرًا ما كانت تبرز، وهي طفلة لتلقي كلمة في الحفل الذي كنت أقيمه لهم في الديرة، في دوس بني علي، خلال إجازة الصيف بمناسبة نجاحهم. وما زلت أحتفظ بكلماتها التي ألقتها آنذاك، وكأنني كنت أعرف أن بعض اللحظات الصغيرة ستصبح يومًا من أجمل الذكريات.
واليوم أضيف إلى تلك الذكريات رسالة جديدة كتبتها نشود، وأعطتني إياها ونحن في دوس.
وكأن هذه القرية الساحرة ليست مجرد مكان، وإنما منبع للحب وامتداده؛ حب غرسه الآباء في أبنائهم، وعززته الأمهات، فنشأ الأبناء وهم يشعرون أن لهم جذورًا وذاكرة مشتركة.
قرأت رسالة نشود، فشعرت أن كاتبتها لم تعد تلك الطفلة التي أعرفها، بل شابة واعية تعرف قيمة المكان الذي تنتمي إليه. تحدثت عن الأرض والبيت والذكريات والحب، حتى وقفت أمام كلماتها احترامًا، وكأنني أستمع إلى قصيدة حب لأرض الآباء والأجداد.
فالبيت الذي شهد طفولة الأبناء وضحكاتهم ونجاحاتهم ولقاءات العائلة ليس مجرد جدران، وإنما ذاكرة كاملة، وحين تتغير الأيام ويغيب بعض من كانوا يصنعون الحياة فيه، يبقى الأثر.
وهنا أدركت أن أجمل ما يتركه الآباء في أبنائهم ليس المال والممتلكات وحدها، وإنما قيم تبقى بعدهم: حب الأسرة، وصلة الرحم، والوفاء للمكان، واحترام الذكريات، والانتماء.
فالإنسان قد يرث بيتًا أو أرضًا، لكنه قد يرث شيئًا أعظم بكثير: الانتماء.
وما أجمل أن يحمل الأبناء هذا الحب، فلا يحفظون ذكريات آبائهم فقط، بل يصنعون ذاكرة جديدة لأبنائهم من بعدهم. وهكذا تستمر الحكاية: أب يغرس، وأم تعزز، وابن يحفظ، وابنة تروي، ثم يأتي جيل جديد ليحمل ما وصل إليه ولا يسمح للحكاية أن تنتهي.
لقد صنعت لي وردة مشعل ورسالة نشود يومًا جميلًا، وقد يراهما البعض تفاصيل بسيطة، لكنني أؤمن أن قيمة الأشياء ليست في ثمنها، وإنما في المعنى الذي تحمله.
ولن أكون مبالغة إن قلت: إن حبي وارتباطي بأبناء وبنات العائلة، وببيت القرية، شيء يفوق الوصف. إنها علاقات هي ماء الحياة وملحها، ومن أجمل ما يمكن أن يملكه الإنسان.
فالأبناء الذين يحفظون أثر آبائهم لا يكرمونهم وحدهم، وإنما يكرمون أنفسهم أيضًا، والأجيال التي تعرف جذورها تعرف من أين جاءت، وما الذي ينبغي أن تحافظ عليه.
لذلك أقول لمشعل: شكرًا على الوردة التي حملت أكثر من لونها ورائحتها.
وأقول لنشود: شكرًا على الرسالة التي جعلتني أرى بيتنا القديم بعين طفلة كبرت، لكنها لم تكبر على حب جذورها.
وشكرًا لكل أب وأم غرسوا في أبنائهم هذا النوع من الحب؛ فما زرعوه لم يكن مجرد ذكريات، بل كان جذورًا.
بعض الرسائل تُقرأ ثم تُنسى، وبعضها تُحفظ في الأدراج، لكن هناك رسائل لا تحتاج إلى ورق ولا صندوق ولا هاتف…
رسائل تسكن القلب.
وما أجملها حين تأتي من الأبناء، حاملةً رائحة الأرض، ودفء البيت، وصوت الذكريات، ووفاء الأجيال لبعضها.
حينها نعرف أن أجمل ما تركه الذين أحببناهم خلفهم ليس الأشياء
بل أناس يحملون محبتهم في قلوبهم.
بعض الرسائل تسكن القلب
