من أكثر المفارقات التي تستوقفني- بحكم العمل في مجال التربية والتخصص في علم النفس- أن بعض الأسر لا تعاني من المشكلة نفسها؛ بقدر ما تعاني من الطريقة التي تتعامل بها معها. فكثيرًا ما يبدأ الأمر بسلوك بسيط لدى الابن أو الابنة، مثل التأخر الدراسي، أو العناد، أو العزلة، أو الإفراط في استخدام الهاتف، أو الخوف، أو التردد، أو ضعف تحمل المسؤولية. فتسارع الأسرة بدافع الحب والحرص إلى محاولة الإصلاح، لكنها قد تستخدم أساليب تجعل المشكلة أكثر ثباتًا، ثم تتساءل بعد ذلك: لماذا لا يتغير أبناؤنا؟
الحقيقة التربوية المهمة، أن حسن النية وحده لا يكفي لإنتاج نتائج تربوية سليمة. فقد نحاول حماية أبنائنا فنمنعهم من خوض التجربة، ونرغب في مساعدتهم فنؤدي عنهم واجباتهم، ونسعى إلى رفع مستواهم فنقارنهم بغيرهم، ونريد ضبط سلوكهم فنلجأ إلى الصراخ والتهديد المستمر. وفي كل مرة نعتقد أننا نعالج المشكلة، بينما نكون- من حيث لا نشعر- نشارك في استمرارها وتعزيزها.
ولنأخذ مثال الطفل الذي يرفض أداء واجباته المدرسية. قد تبدأ الأم بالتذمر أو الصراخ، ثم تجلس بجواره لساعات، وربما تنجز جزءًا من واجباته، أو تتابعه في كل دقيقة. وفي المرة التالية يعيد الطفل السلوك نفسه، لأنه تعلم بطريقة غير مباشرة، أن رفض الواجب يجلب اهتمامًا أكبر، ويؤدي إلى تدخل الأم، وتحملها جزءًا من المسؤولية، فيتحول السلوك المؤقت إلى نمط من الاعتماد على الآخرين.
وفي علم النفس التربوي نعلم أن السلوك، الذي يعقبه تعزيز غالبًا ما يتكرر. لذلك لا تكون المشكلة دائمًا في السلوك الظاهر، بل في الطريقة التي تستجيب بها الأسرة له. فالطفل الذي يصرخ حتى يحصل على ما يريد، ثم يستجيب والداه لإسكاته، يتعلم أن الصراخ وسيلة ناجحة لتحقيق مطالبه. والطفل الذي يخطئ ثم يبادر والداه إلى إصلاح أخطائه أو الاعتذار عنه، قد يقتنع بأن المسؤولية يمكن أن يحملها الآخرون بدلًا منه.
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا الحماية الزائدة. فالأسرة التي تخشى على ابنها من الفشل قد تمنعه من خوض التجارب، وتزيل العقبات من طريقه، وتراقب تفاصيل حياته، لكنها في المقابل تحرمه من أهم دروس الحياة، وهي التعلم من المحاولة والخطأ. فالطفل الذي لا يختبر الفشل في بيئة آمنة قد يكبر وهو يخشى المبادرة، ويتردد في اتخاذ القرار، ويضعف إيمانه بقدرته على مواجهة المواقف بنفسه.
ولا تقل المقارنة أثرًا عن ذلك. فعندما يسمع الطفل عبارات من قبيل:” انظر إلى أخيك”، فإنه قد لا يفهمها بوصفها حافزًا، بل يترجمها إلى رسالة مؤلمة مفادها أنه أقل قيمة من غيره. ومع تكرار المقارنة قد يتحول الدافع إلى شعور بالنقص أو الغيرة، ويصبح النجاح وسيلة لإثبات الذات أمام الآخرين، لا طريقًا للنمو الحقيقي.
كما أن الإفراط في العقاب قد يمنح الوالدين شعورًا مؤقتًا بالسيطرة، لكنه لا يعالج جذور المشكلة. فالطفل الذي يعاقب على الكذب دون أن يشعر بالأمان لقول الحقيقة، قد يتعلم فقط إخفاء كذبه بإتقان أكبر. والذي يُهان بسبب خطئه قد يتجنب الاعتراف بأخطائه بدلًا من تصحيحها.
إن التربية الناجحة لا تبدأ بالسؤال: كيف أجعل ابني يتوقف عن هذا السلوك؟ بل تبدأ بسؤال أعمق: ماذا يحدث قبل السلوك؟ وكيف نستجيب نحن بعده؟ وما الرسالة التي يتلقاها الطفل من تفاعلاتنا اليومية؟
لذلك، فإن أول خطوة نحو الحل قد تكون مراجعة أساليبنا نحن، قبل البحث عن عقوبات جديدة أو حلول خارجية. فليس المقصود تحميل الأسرة مسؤولية كل مشكلة، فالسلوك الإنساني يتأثر بعوامل متعددة، لكن الأسرة تظل البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل المسؤولية والثقة والاستقلال. وعندما تتخلى الأسرة عن الأساليب التي تغذي المشكلة، وتمنح أبناءها فرصة التعلم من أخطائهم في بيئة آمنة، فإنها لا تعالج المشكلات القائمة فحسب، بل تسهم في الوقاية من كثير منها قبل أن تبدأ.
كيف تسهم استجابات الأسرة في تفاقم مشكلات الأبناء؟!
