لم تعد الصحافة اليوم تواجه سؤالًا تقنيًا بقدر ما تواجه سؤالًا يمس جوهر المهنة: من يكتب النص فعلًا ويوقعه باسمه، ويتحمل مسؤوليته؛ أم الأداة التي باتت قادرة على إنتاجه بصياغة متماسكة وأسلوب يبدو مهنيًا من الوهلة الأولى؟
في السابق، كان الجدل يدور حول مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على مساعدة الصحفي في إنجاز عمله. أما اليوم، فقد تجاوز حدود المساندة، واتسعت إمكاناته لتشمل بناء الأفكار، وصياغة زوايا المعالجة، والتحليل، وأحيانًا إنتاج النص كاملًا. ومع هذا الاتساع، لم يعد السؤال: ماذا تستطيع التقنية أن تفعل؟ بل: إلى أي مدى يمكن للصحفي أو كاتب الرأي أن يفوّض إليها عملية الكتابة من دون أن يتخلى، ولو تدريجيًا، عن مسؤوليته المهنية وصوته الخاص؟
في تقديري، لا يكمن الإشكال في قدرة الآلة على إنتاج نص سليم ومقنع، بل في الخلط بين جودة الصياغة وجودة العمل الصحفي. فالنص قد يكون منضبطًا لغويًا، واضح البناء، وجذابًا للقارئ، لكنه يظل ناقصًا مهنيًا ما لم يسبقه اختيار واعٍ للمعلومة، وتحقق من مصدرها، وفهم لسياقها، وتقدير لأثر نشرها.
وقد كشفت تجارب إعلامية حديثة جانبًا من هذا القصور. ففي واقعة شهدتها صحيفة «Chicago Sun-Times» الأمريكية في شهر مايو من عام 2025م، اضطرت إلى إزالة ملحق خاص أعدّه مزود محتوى خارجي من نسختها الإلكترونية، بعد أن تبيّن لاحقاً أنه أُنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي من دون تدقيق بشري كافٍ، وتضمنت معلومات غير دقيقة وأسماء كتب غير موجودة أصلًا. ولم تكن الحادثة مجرد خطأ تقني، بل كشفت أن النص قد يبدو مقنعًا لغويًا، بينما يفشل مهنياً لأنه افتقد أبسط شروط العمل الصحفي: التحقق.
ولهذا لا يمكن النظر إلى جميع استخدامات الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها. فالاستعانة به في تفريغ المقابلات، أو ترتيب البيانات، أو الترجمة، أو مراجعة اللغة، تختلف جذريًا عن إسناد بناء الفكرة والتحليل وصياغة الرأي إليه. الاستخدام الأول يخفف الأعباء ويمنح الصحفي وقتًا أكبر للبحث والعمل الميداني، أما الثاني فقد يحول الكاتب، من حيث لا يشعر، من صاحب فكرة إلى مراجع لنص لم يبدأ منه أصلًا.
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية في مقالات الرأي: هل يمثل ما نقرؤه فكر الكاتب فعلًا، أم أنه نص تبناه لأنه بدا جيدًا ومقنعًا؟
القارئ لا يختار كاتب رأي بعينه لمجرد قدرته على صياغة جمل جميلة، بل لأنه يريد أن يرى الأحداث من خلال نظرته، وأن يقرأ طريقته في السرد والربط والتحليل، والموقف الذي تكوّن لديه نتيجة معرفة أو تجربة أو ملاحظة طويلة. وقد تبدأ الفكرة من واقعة صغيرة، أو سؤال ظل يشغل الكاتب، أو موقف اختلف فيه مع الآخرين. وهذه المساحة الإنسانية هي التي تمنح المقال صوته وفرادته.
يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي أن يحاكي الأسلوب، وربما ينتج نصًا أكثر ترتيبًا وانضباطًا من نص الكاتب نفسه، لكنه لا يمتلك التجربة التي صنعت موقفه، ولا القناعة التي تدفعه إلى الدفاع عنه، ولا التردد الذي يجعله يعيد النظر في فكرة كان يظنها صحيحة.
فالكتابة ليست دائمًا فيما يقرر الكاتب أن يقوله، بل أحيانًا فيما يقرر ألا يقوله. قد يمتلك الصحفي معلومة مثيرة، لكنه يتوقف أمامها لأنها غير مكتملة. وقد يحذف عبارة قوية لأنها غير منصفة أو ثقيلة على القارئ. وربما يعيد بناء مقاله كله عندما يكتشف أن الوقائع لا تؤيد موقفه الأول. هذه الاختيارات ليست تحسينات لغوية، بل أحكام مهنية وأخلاقية تصنع قيمة النص.
ومن هنا تأتي أهمية الثقة. حين يرى القارئ اسم كاتب على خبر أو مقال، فإنه يفترض أن صاحبه لم يكتف بتمرير ما نُشر باسمه، بل فهمه، وتحقق مما ورد فيه، وأنه مستعد لأن يُسأل عنه ويدافع عن منطقه ونتائجه. وإذا تحول الاسم إلى واجهة لمحتوى أنتجته الآلة، فإن ما يتأثر ليس جودة النص وحدها، بل طبيعة العلاقة بين الكاتب والقارئ.
وهذا لا يعني أن على الصحفي الإفصاح عن كل استعانة بسيطة بالتقنية؛ فلا يمكن مساواة التدقيق اللغوي أو تنظيم المعلومات بإنتاج الفكرة أو كتابة تحليل كامل. لكن كلما أصبح دور الذكاء الاصطناعي جوهريًا في بناء المحتوى واستنتاجاته، أصبحت الشفافية أكثر ضرورة.
فمن حق القارئ أن يعرف عندما يكون النص الذي يقرؤه قد تشكل إلى حد كبير بوساطة أداة آلية، لا لأن استخدام الذكاء الاصطناعي خطأ في ذاته، بل لأن إخفاء دوره المؤثر قد يترك انطباعًا غير دقيق عن مصدر الفكرة ومن يقف وراءها.
وتنسجم هذه الرؤية مع المبادئ المهنية التي تؤكدها المؤسسات الدولية والمحلية في مجال الذكاء الاصطناعي والإعلام، والتي تضع الإشراف البشري والشفافية والمساءلة في مقدمة شروط الاستخدام المسؤول. فمهما تطورت التقنية، تظل مسؤولية القرار التحريري والمحتوى المنشور على الإنسان والجهة الناشرة، لا على الأداة.
ولا يعني الحديث عن هذه الضوابط اتخاذ موقف متحفظ من التقنية أو التقليل من فوائدها. فالذكاء الاصطناعي أتاح للصحفي إمكانات مهمة؛ من التعامل مع كميات كبيرة من المعلومات، إلى اختصار المهام المتكررة، وتسريع البحث، وتوفير وقت أكبر للتحقق والعمل الميداني. وهذه مكاسب حقيقية يصعب تجاهلها.
الذكاء الاصطناعي التوليدي ليس في ذاته تهديد للصحافة، بل امتداد طبيعي لتطور أدوات المهنة، مادام يوظُف لتوسيع قدرات الكاتب، لا لإعفائه من التفكير أو إضعاف صوته. وقد تسهم الأداة في إنتاج النص، لكن المسؤولية تظل دائمًا على من يضع اسمه تحته.
وفي النهاية، لن تُقاس قيمة الصحافة بقدرتها على مجاراة الآلة في إنتاج الكلمات، بل بقدرة ممارسيها على الحفاظ على ما لا تملكه الآلة: استقلال الحكم، وفهم السياق، والإحساس بأثر الكلمة، والاستعداد لتحمل تبعاتها.
