في كل بطولة كبرى يتكرر المشهد نفسه؛ فريق يحقق النجاح، فيلتف حوله الجميع، ثم يواصل الانتصارات، وفجأة يبدأ تيار عالمي يتمنى سقوطه ، وهذا ما حدث مع البرازيل في عصر بيليه ، ثم مع إسبانيا في حقبة التيكي تاكا، ولاحقًا مع فرنسا، واليوم تعيشه الأرجنتين بعد سنوات من الإنجازات وبلوغ نهائي كأس العالم.
قد يبدو الأمر متناقضًا، لكنه في الحقيقة سلوك جماهيري معروف في علم النفس الاجتماعي فالجماهير بطبيعتها تنجذب إلى القصص الجديدة أكثر من النهايات المتكررة، وعندما يسيطر فريق أو لاعب على المشهد لفترة طويلة، يبدأ كثيرون بالبحث عن بطل جديد، ليس بدافع الكراهية، وإنما بدافع الرغبة في رؤية فصل جديد من القصة.
إن نجاح أي منتخب لا يخلق المشجعين فقط، بل يخلق منافسين وخصومًا، وكلما ارتفعت مكانة الفريق، أصبح الفوز عليه إنجازًا بحد ذاته، وأصبحت هزيمته مصدرًا للمتعة عند جماهير المنتخبات والأندية الأخرى، وهي ظاهرة ذات مسمى معروف، وهو “ضريبة النجاح”؛ حيث يتحول البطل تدريجيًا من مصدر للإعجاب إلى العقبة، التي يرغب الجميع في تجاوزها.
وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تسريع هذه التحولات، وخوارزميات المنصات تكافئ المحتوى المثير للجدل، ولذلك تنتشر المنشورات الناقدة أو الساخرة أسرع من المحتوى المتوازن، ما يصنع انطباعًا بأن العالم كله أصبح ضد فريق معين، بينما قد تكون الأغلبية الصامتة أقل تطرفًا بكثير.
لكن هل هذا الانقلاب دائم؟ غالبًا لا فالتاريخ الرياضي يثبت أن ذاكرة الجماهير قصيرة فبعد اعتزال الجيل الذهبي، أو تراجع النتائج، يتحول الخصم الذي كان يثير الجدل إلى رمز من رموز اللعبة، ويبدأ الحنين إليه، وقد حدث ذلك مع البرازيل، ومع برشلونة غوارديولا، ومع منتخب إسبانيا، بل وحتى مع لاعبين كانوا الأكثر إثارة للانقسام في عصرهم؛ لذلك، فإن ما نراه اليوم تجاه الأرجنتين ليس حالة استثنائية، بل دورة طبيعية في حياة الرياضة فالجماهير لا تغيّر مشاعرها بقدر ما تبحث دائمًا عن قصة جديدة، وبطل جديد، وتحدٍّ جديد. أما الأبطال الحقيقيون، فيدركون أن النجاح لا يجلب التصفيق فقط، بل يجلب أيضًا أمنية الآخرين في أن يكونوا هم من يكتب نهاية تلك القصة.
@MohammedAAmri
عندما ينقلب العالم على الأبطال
