ليس غريباً أن يكرر التاريخ نفسه، لكن الغريب أن يظن بعضهم أنهم سيكونون الاستثناء. يراهنون، فيخسرون، ثم يعودون إلى الرهان من جديد، وكأن الزمن لم يعلمهم شيئاً، وأن مصائر من سبقهم ليست دروساً تُقرأ في وضح النهار. فالتاريخ لا ينسى، ولا يجامل، ولا يكرر نتائجه عبثاً؛ بل يضع أمام كل جيل الشواهد نفسها، ليختبر من يعتبر، ومن يصر على تكرار الأخطاء ذاتها.
ومن بين أوضح تلك الشواهد، قصة المملكة العربية السعودية؛ قصة وطنٍ تعاقبت عليه التحديات، وتنوعت ضده الرهانات، وتُحاك حوله المؤامرات، لكن النتيجة بقيت واحدة؛ وطنٌ يزداد قوة، بينما تتلاشى رهانات خصومه.
في كل مرحلة من التاريخ، يظهر من يظن أن هذه المرة ستكون مختلفة، وأن المملكة لن تتجاوز التحدي القادم. تُطلق التوقعات، وتُنسج الرهانات، وتُحاك المؤامرات في الخفاء، ظناً أن المكائد قادرة على النيل من وطنٍ أُرسيت دعائمه على وحدة القيادة والشعب، وقوة مؤسساته، والعمل المتواصل لبناء مستقبله. ثم تمضي الأيام، فتتبدد الرهانات، وتتلاشى المخططات، ويغيب أصحابها، بينما يبقى الوطن ثابتاً، يواصل مسيرته بثقة، ويكتب فصلاً جديداً من تاريخه.
يتغير الأشخاص، وتتبدل الأدوات، لكن المشهد يكاد يتكرر، وكأن التاريخ يعيد سرد القصة نفسها، بأسماء مختلفة ووسائل متجددة. ومن أراد أن يعرف سر هذا التكرار، فما عليه إلا أن يقرأ التاريخ السعودي بتمعن؛ ففي صفحاته من الشواهد ما يكفي لفهم الماضي، وقراءة الحاضر، واستشراف المستقبل.
فعندما نفتح صفحات التاريخ السعودي، لا نقرأ حكاية دولة واجهت التحديات فحسب، بل نقرأ قصة مشروع وطني وُلد في زمن كانت فيه الجزيرة العربية تعيش التفرق والاضطراب، ثم مضى يشق طريقه بثبات، رغم ما أحاط به من صعوبات، وما حيك ضده من مؤامرات.
فمنذ تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود، لم تخل المسيرة من خصوم راهنوا على تعثرها أو زوالها. تعاقبت المحاولات، وتعددت أدوات المواجهة، لكن الحقيقة التي فرضها التاريخ كانت أوضح من كل الرهانات؛ فقد تتعثر الدول، لكنها لا تسقط ما دامت جذورها ضاربة في الأرض، وإرادة أبنائها أقوى من كل التحديات.
تعرضت الدولة السعودية الأولى لحملات عسكرية غادرة ، فظن خصومها أن المشروع قد انتهى، وأن صفحاته قد أُغلقت إلى الأبد. لكن ما حدث بعد ذلك غيّر مسار الرهان كله؛ فما لبثت الدولة السعودية الثانية أن نهضت بقيادة الإمام تركي بن عبدالله، لتؤكد أن الأوطان التي تقوم على فكرة راسخة لا تموت، ولا تنتهي بخسارة معركة، بل تستمد من المحن أسباب النهوض من جديد.
لكنهم… لم يعتبروا.
ثم جاءت المرحلة الفاصلة بقيادة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، الذي وحّد البلاد، وأرسى دعائمها، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها الأمن بعد الفرقة، والوحدة بعد التشتت، والبناء بعد سنوات طويلة من الاضطراب. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الوطن منشغلاً بإثبات وجوده، بل بصناعة مستقبله.
ومع تعاقب العقود، تغيرت طبيعة التحديات. فبعد أن كانت المواجهة بالسلاح، أصبحت بالسياسة، والإعلام، والاقتصاد، والحملات المنظمة، ومحاولات الضغط والتشكيك. لكن الغاية بقيت واحدة؛ إضعاف المملكة، والنيل من أمنها واستقرارها، ومحاصرة دورها الإقليمي والدولي، والتشكيك في منجزاتها، وعرقلة مسيرتها التنموية، في محاولة للحد من تأثيرها المتنامي ومكانتها الراسخة.
غير أن التاريخ كرر إجابته في كل مرة. فكلما اشتدت الضغوط، ازدادت المملكة تماسكاً، وكلما تعددت محاولات النيل منها، اتسعت مساحة حضورها السياسي والاقتصادي، وتعزز دورها الإقليمي والدولي. وبينما تراجعت مشاريع، وسقطت أنظمة، وتبدلت تحالفات، بقيت المملكة ثابتة الجذور، تمضي في طريقها بثقة، وتواصل البناء دون أن تلتفت إلى صرير المشككين.
لكنهم… لم يعتبروا.
ولم تكن المملكة يوماً مشروع صراع، بل مشروع حضارة وبناء. نهجها السلام، ورسالتها التنمية، وغايتها الاستقرار. لكنها، في الوقت نفسه، لا تتهاون في حماية أمنها، ولا تقبل المساس بسيادتها، ولا تسمح لأي محاولة بأن تعيق مسيرتها أو تنال من مكانتها. ولهذا، لم تكن قوتها في قدرتها على مواجهة التحديات فحسب، بل في قدرتها على مواصلة البناء، بينما كان غيرها يستنزف طاقاته في الصراعات والمكائد.
واليوم، تواصل المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان– حفظهما الله– مسيرتها الطموحة من خلال رؤية السعودية 2030، التي تمثل مرحلة جديدة من التحول الوطني، وتعكس طموح دولة لا تكتفي بمواكبة المستقبل، بل تسهم في صناعته. ومع كل إنجاز يتحقق، تتجدد الأصوات ذاتها، وتعود الرهانات نفسها، وكأن أصحابها لم يقرأوا التاريخ، أو قرأوه دون أن يعتبروا.
إن قراءة التاريخ السعودي- بعين منصفة- تكشف حقيقة لا تخطئها البصيرة؛ فكم من جهة راهنت على إضعاف المملكة أو الحد من دورها، وكم من محاولات استهدفت أمنها واستقرارها أو التشكيك في مكانتها، لكنها مضت، بينما بقي الوطن أكثر حضوراً وتأثيراً، وأكثر قدرة على صناعة مستقبله. وليس في ذلك دعوة إلى الشماتة، بل دعوة إلى قراءة سنن التاريخ كما هي؛ فالوقائع لا تعرف المجاملة، والنتائج لا تنحاز إلا لمن يملك أسباب البقاء.
لكنهم… لم يعتبروا.
لقد أثبتت الأيام أن الدول العظيمة لا تستمد قوتها من إمكاناتها وحدها، بل من تماسك شعبها، وحكمة قيادتها، وقوة مؤسساتها، وقدرتها على تحويل المحن إلى محطات للبناء، والتحديات إلى فرص للنهوض.
وسيظل التاريخ شاهداً على أن الرهان على إضعاف المملكة، أو التآمر عليها، كان وسيبقى رهاناً خاسراً. فالأوطان التي تُبنى على وحدة القيادة والشعب، ورسوخ مؤسساتها، ووعي أبنائها، لا تُهزم بالمؤامرات، بل تخرج من كل تحدٍ أكثر قوة، ومن كل أزمة أكثر تماسكاً.
ويبقى السؤال الذي يردده التاريخ، جيلاً بعد جيل:
ألا يعتبرون؟!!
ألا يعتبرون؟
