مقالات الكتاب

الإسقاط النفسي

هل كل من كتب عن الحب هو بالضرورة عاشق متيم؟
وهل كل من جسد مأساة الخيانة في كتاباته هو بالضرورة خائن أو ضحية؟
هذا هو السؤال الذي يدور في أذهان الكثيرين، فبمجرد أن يخط الكاتب على الورق، حتى يتسرع القارئ في الحكم عليه، محولاً العمل الأدبي من ساحة واسعة للتخيل الإنساني إلى مجرد مرآة ضيقة تعكس حياة الكاتب الشخصية. إن هذا الإصرار على ربط النص بالبيوغرافيا وهم لكنه خطير، يُعرف في النقد بـ “الإسقاط النفسي” وهو يهدد حرية الإبداع، ويفوّت على القارئ متعة الاكتشاف الأعمق.
فالقارئ يتعاطف مع النص لدرجة يرى فيها أن صدق التجربة هو أساس الإبداع، محاولاً بذلك ســـد الفراغات التي يتركها النص بخياله وبمعلوماته عن حياة الكاتب.
يمكن للكاتب أن يكتب عن فقر لم يعشه، أو حرب لم يشهدها، أو حب لم يكتمل، طالما أنه استطاع تجربة هذا الشعور داخلياً وتجسيده بصدق فني.
فالكاتب يرتدي آلاف الأقنعة؛ قد يكتب عن الخيانة ليختبر دوافع الخائن، أو يحلل الأثر المدمر للغدر. وقد يحوّل الكاتب رغباته أو كبته أو تجاربه غير المكتملة إلى عمل فني نبيل، مخرجاً طاقته في قالب إبداعي.
هذا الإسقاط النفسي للقارئ ليس مجرد خطأ في القراءة ؛ بل هو تهديد فعلي لحرية الكاتب؛ فعندما يعلم الكاتب أن كل كلمة ستفهم كاعتراف شخصي، فإنه يتردد في تناول المواضيع الشائكة. هو يخشى من الاتهام بالنيابة.
فالكاتب قادر على خلق عوالم كاملة من العدم.
عاشق لألف امرأة، وخائن لألف فكرة دون أن يبرح مقعده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *