مقالات الكتاب

الفراغ الذي يبحث عن وريث

لم يكن ميسي ورونالدو مجرد لاعبين استثنائيين، بل منظومة كاملة أعادت تشكيل كرة القدم؛ فنياً وتسويقياً واجتماعياً، عبر ثنائية نادرة اختزلت اللعبة في مواجهة دائمة: العبقرية الهادئة أمام الإرادة الصاخبة؛ لذلك فإن أفول هذا الجيل لا يترك فراغاً في التسجيل فحسب، بل فراغاً سردياً يصعب تعويضه بقرار إعلامي أو حملة تسويقية .
كرة القدم الحديثة صناعة لا تكتفي بالنتائج، بل تحتاج إلى وجوهٍ تُبنى حولها القصص يومياً على المنصات الرقمي، وهنا يبرز مبابي وهالاند كأوضح مرشحين لوراثة المشهد، لكن المفارقة أن الاهتمام بهما أحياناً يفوق ما تبرره أرقامهما الفعلية في البطولة نفسها، والسبب اقتصادي بامتياز، وهو منطق (الندرة).
هالاند في الدوري الإنجليزي أصبح مشهداً أسبوعياً متوقعاً، حتى فقد بريق الدهشة، بينما ظهوره في كأس العالم حدثٌ لا يتكرر إلا كل أربع سنوات، والإعلام، كأي سوق يرفع سعر السلعة النادرة على حساب السلعة المتاحة باستمرار؛ لذلك يتحول هداف الدوري إلى رمزٍ عالمي بمجرد ظهوره في المحفل الأكبر، بمعزل أحياناً عن مستواه الفعلي داخل الملعب.
اجتماعياً أيضاً تغيّر الجمهور نفسه. جيل ميسي ورونالدو عاش المنافسة عبر تفاصيل المباريات وتراكم الألقاب، بينما يعيش الجيل الجديد نجومه عبر المقاطع القصيرة والاحتفالات والمواقف الشخصية أكثر من الأداء الفني المجرد؛ فالسوق اليوم لا يبحث بالضرورة عن أفضل لاعب، بل عن الشخصية الأكثر قابلية للانتشار والتحول إلى ترند يومي .
ومع ذلك، تبقى حقيقة لا يمكن تجاوزها: الأسطورة لا تُصنع بقرار تسويقي أو تغطية إعلامية مكثفة، بل تحتاج إلى زمن طويل، وصراع متكرر، وإخفاقات تُبنى عليها الذاكرة الجماعية.
مبابي وهالاند قد يقودان المرحلة المقبلة فعلياً، لكن قيادة المرحلة شيء، ووراثة الأسطورة شيء آخر تماماً فبعض الأجيال تنتهي ببديل واضح، وبعضها يترك فراغاً يذكّرنا بأن ما مضى كان استثناءً لا يتكرر بسهولة.
@MohammedAAmri

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *