البلاد (الرياض)
أعلنت الرئاسة اليمنية، أمس (الخميس)، وفاة الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي عن عمر ناهز الثمانين عاماً، بعد مسيرة طويلة ارتبطت بأكثر المراحل حساسية في تاريخ الجمهورية الحديثة، والتي شهدت تحولات سياسية وأمنية عميقة وانقسامات داخلية حادة.
وأفادت الرئاسة في بيان رسمي بإعلان الحداد، وتنكيس الأعلام لمدة ثلاثة أيام، تقديراً لمكانة الراحل الذي تولى قيادة البلاد خلال مرحلة انتقالية، أعقبت احتجاجات عام 2011، وأفضت إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي في اليمن.
وُلد عبدربه منصور هادي عام 1945 في مديرية الوضيع بمحافظة أبين، وبدأ مسيرته المهنية في السلك العسكري، حيث تدرج في عدد من المواقع داخل المؤسسة العسكرية في جنوب اليمن قبل الوحدة. وعُرف خلال تلك الفترة بانضباطه الإداري وحضوره العسكري، قبل أن تتقاطع مسيرته مع التحولات السياسية الكبرى، التي شهدتها البلاد في العقود الأخيرة من القرن الماضي. وبعد أحداث يناير 1986 في عدن، غادر هادي إلى شمال اليمن، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته السياسية والعسكرية، تزامنت مع اقتراب البلاد من تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990.
ومع إعلان الوحدة اليمنية، برز هادي ضمن القيادات الجنوبية التي انخرطت في مؤسسات الدولة الجديدة، قبل أن يتولى لاحقاً منصب وزير الدفاع خلال حرب صيف 1994، ثم يُعيّن نائباً لرئيس الجمهورية في العام نفسه، وهو المنصب الذي ظل يشغله قرابة ثمانية عشر عاماً. وخلال تلك المرحلة، اتسم حضوره السياسي بالهدوء النسبي، حيث كان جزءاً من منظومة الحكم، التي قادت البلاد في فترة اتسمت بتوازنات سياسية معقدة واستقرار هش نسبي.
وفي عام 2011، ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية، دخلت البلاد مرحلة انتقال سياسي بإشراف إقليمي ودولي، انتهت بتوقيع المبادرة الخليجية، والتي نصت على نقل السلطة إلى هادي بوصفه رئيساً توافقياً للمرحلة الانتقالية. وفي فبراير 2012، تولى هادي رئاسة الجمهورية في انتخابات توافقية بمرشح وحيد، وسط تحديات كبيرة شملت تدهور الأوضاع الأمنية، وتراجع مؤسسات الدولة، وتصاعد الأزمات الاقتصادية، إلى جانب اتساع نفوذ الجماعات المسلحة.
وأطلق هادي خلال فترة حكمه مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي هدف إلى إعادة صياغة التوافق السياسي بين مختلف القوى، غير أن مخرجاته واجهت لاحقاً صعوبات كبيرة في التطبيق نتيجة تعقيدات الواقع السياسي. وفي سبتمبر 2014، سيطرت جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء، في تحول مفصلي أعاد تشكيل المشهد اليمني، وانتهى بفرض الإقامة الجبرية على الرئيس، قبل أن يغادر لاحقاً إلى عدن، ثم إلى الخارج مع اتساع رقعة المواجهات.
ومنذ عام 2015، أصبح هادي رئيساً معترفاً به دولياً، وقاد السلطة الشرعية في مواجهة الحوثيين، معتمداً على دعم التحالف العربي بقيادة السعودية، في ظل حرب طويلة ومعقدة امتدت لسنوات، وأثرت على مختلف جوانب الحياة في اليمن. وشهدت هذه المرحلة تحديات كبيرة تمثلت في الانقسام السياسي داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتدهور الخدمات العامة، واستمرار الأزمة الإنسانية، ما جعل المشهد أكثر تعقيداً وتشابكاً.
وأعلن هادي في أبريل 2022، نقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في بنية السلطة الشرعية، أنهت مرحلة امتدت لعقد كامل من رئاسته للبلاد، وفتحت الباب أمام صيغة جديدة لإدارة المرحلة السياسية.
ويرى مراقبون أن عبدربه منصور هادي مثّل شخصية محورية في واحدة من أكثر مراحل اليمن تعقيداً؛ إذ تداخلت خلال فترة حكمه التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية، في ظل انهيار مؤسسات الدولة واتساع رقعة الصراع. وبين من يعتبره رئيساً واجه ظروفاً استثنائية تفوق قدرات الدولة، ومن يحمّله مسؤولية الإخفاقات التي رافقت تلك المرحلة، يبقى اسمه مرتبطاً بتحولات كبرى في تاريخ اليمن الحديث، وبمرحلة إعادة تشكيل المشهد السياسي في البلاد. وبوفاته، تطوي اليمن صفحة أحد أبرز وجوهها السياسية في العقود الأخيرة، والذي ظل اسمه حاضراً في مفاصل التحول من دولة ما بعد الوحدة إلى مرحلة الحرب والانقسام، ومحاولات إعادة بناء الدولة.
