نظفت سيارتي ونظارتي، وركب والدي- رحمه الله- إلى جواري وبقية العائلة في الدورين الخلفيين، وتوجهنا قبيل منتصف الليل من جدة، راجين الوصول إلى المدينة المنورة مع أذان الفجر. لكن قدر الله وما شاء فعل. فقد كان مسيري أقل من مائة كيلومتر في الساعة في الطريق السريع الذي أنجزته الدولة السعودية- أيدها الله- قبل أربعين بل خمسين سنة. فلست أعترف بعصر السرعة في سواقة السيارات. ولما جاوزنا ثلثي الطريق، بدأ النعاس يداعب عيوني. فقلت لنفسي سوف ألحق الصلاة في الحرم النبوي. ولكني رأيت سيارة قادمة من الجهة المقابلة، وكأنها سوف تصطدم بي. والحمد لله، لم أسب السائق. إن لفظة الحيوان لا يعرفها لساني في الغضب، وإن كنت أحيانا لا أتمالك نفسي عن كلمة “حمار” أعزكم الله. وهي مثل عبارة “ثكلتك أمك” الواردة في حديث سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى معاذ بن جبل ينبهه إلى خطر اللسان. ليست دعاء وإنما هي تنفيس. والله سبحانه قال:” لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم”. ولما اشتكى لي المراسل الأخ قمر الدين العامل البنغالي، أن الموظف الزميل الفلاني يناديه “هيوان” غضبت، ووبخت الزميل. وقلت له: هؤلاء بشر مثلكم، وعندهم كرامة، فلا تقل له: يا حيوان مهما كنت غاضبًا.
ما منعني من قولة “حمار” أعزكم الله عن السائق القادم باتجاهي سوى وجود والدي بجواري. فقد كان سيغضب لو سمعها. وليس من البر التنكيد عليه- رحمه الله. وقد مرت السيارة فاكتشفت أني بسبب النعاس رأيتها كما لو كانت في الحلم تسير في خطي. وهي بريئة براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام.. هنا وبخت نفسي على الاستمرار في الرحلة والجسم مكدود. والمبصرة في هذه الحال ضررها أكثر من نفعها. لقد كنت مخطئا بنسبة 100%. وقلت لوالدي وزوجتي وبقية القبيلة الصغيرة: هيا بنا إلى أقرب محطة؛ كي أضطجع ولو ساعة. وتوقفت هناك وانخمد رأسي وبدني. ثم صحوت على أذان الفجر على بعد 100 كيلو متر من طيبة. وقالوا لي أنه لم ينم أحد منهم؛ بل باتوا ينتظرونني، لكي أصحو فنواصل السير إلى بلد المحبوب- صلى الله عليه وسلم.
الخطأ 100% أمر نادر. لكن الاعتراف بالخطأ هو مربط الفرس خصوصًا إذا كان واضحًا لا التباس فيه. على أنه كما قال بعض الحكماء: لا يوجد”خطأ عقيم”. وقال أسلافنا”الخطأ جند الصواب”. وقالوا: من لا يعمل لا يخطئ.
لذلك سوف أواصل الكتابة حتى وإن خرج الحمار من حظيرة الحيوان.
الخطأ 100 % أمر نادر
