مقالات الكتاب

إدارة المشاعر في المستشفيات

قبل أيام، رافقت أحد أقاربي إلى مستشفى في جدة، لكن ما واجهناه عند الوصول الي محيط المستشفى كان أشبه برحلة استنزاف للجهد والوقت، لا تقل قسوة عن المرض ذاته. ازدحام خانق. فوضى مرورية. تداخل بين السيارات والمشاة أثناء تنقلهم من مبنى الى آخر، وإشارات غير واضحة تقود إلى مدخل الطوارئ. احتجنا نحو 30 دقيقة للوصول إلى القسم، ثم قرابة نصف ساعة أخرى للعثور على موقف. كانت تجربة مرهقة نفسياً وجسدياً سبقت حتى لحظة تلقي الرعاية، وأثناء تلك الدقائق تذكرت تجربة مهنية سابقة، حين اطلعت على نماذج عالمية في إدارة تجربة العملاء، وتحديداً فلسفة شركة ديزني The Walt Disney Company، التي تقوم على تصميم رحلة زيارة متكاملة، يشعر فيها الزائر بالراحة منذ اللحظة الأولى. في هذا النموذج، لا تُترك التفاصيل للصدفة؛ كل خطوة محسوبة وكل عنصر- مهما بدا بسيطاً- مدروس بعناية؛ ليقلل التوتر، ويخلق انسيابية في التجربة. في القطاع الصحي؛ قد لا يكون المريض قادراً على تقييم جودة الأجهزة الطبية، أو دقة التشخيص، لكنه يدرك تماماً كيف يشعر. هل البيئة مريحة؟ هل الاجراءات بسيطة ؟ هل التعامل إنساني؟ هل هناك اهتمام بالتفاصيل الصغيرة؛ كالإضاءة والنظافة والروائح؟ هذه العناصر التي برعت فيها ديزني، ليست ترفاً بل أدوات حقيقية لبناء الثقة وتخفيف القلق؛ بل وقد تسهم في تسريع التعافي. الأمر لا يقتصر على بيئة المريض فقط؛ بل يمتد إلى ثقافة العمل داخل المستشفى. فكما هو الحال في ديزني، تنعكس طريقة تعامل الإدارة مع الموظفين مباشرة على سلوكهم مع المرضى. الموظف الذي يشعر بالتقدير والاحترام يقدّم خدمة إنسانية دافئة. بينما تولّد البيئات السلبية تعاملاً بارداً وجافًا؛ مهما بلغت كفاءة الأنظمة الطبية. من هنا، يتضح أن التحدي في كثير من مؤسساتنا الصحية لا يكمن فقط في الإمكانات وجماليات المباني؛ بل في تصميم “رحلة المريض” بالكامل. فالتجربة تبدأ منذ الوصول إلى محيط المستشفى، لا عند مقابلة الطبيب. وضوح الإرشادات. تنظيم الحركة. سهولة الوصول. كفاءة إدارة المواقف، وسلاسة الإجراءات؛ كلها عناصر تشكّل الانطباع الأول، وقد تحدد مستوى القلق أو الطمأنينة لدى المريض. كما أن تجربة الزائر لا تقل أهمية؛ فهو جزء من المنظومة الداعمة نفسياً للمريض. عندما يجد الزائر تنظيماً واحتراماً لوقته وبيئة مريحة؛ فإنه ينقل هذا الشعور إيجابياً، ما ينعكس على الحالة النفسية للمريض. إن استلهام هذه الفلسفة لا يعني تحويل المستشفيات إلى أماكن ترفيهية؛ بل تبني منهجًا يركز على إدارة المشاعر وتخفيف التوتر، وتصميم تجربة إنسانية متكاملة؛ فالمستشفى الناجح اليوم لم يعد فقط من يعالج المرض؛ بل من يفهم رحلة الإنسان بكل تفاصيلها، ويديرها بكفاءة ورحمة ووعي عميق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *