أثناء بحثي المتواصل لتوثيق طرق التجارة القديمة، ودروب الحجاج في الشمال، ومحطات نزولهم ومصادر المياه، التي أُنشئت على امتداد تلك الطرق، لفت انتباهي موقع مجاور لبئر العمارة في خيف الفقير الزراعي بمحافظة أملج، والمعروف بـ«مزرعة الغريب». وقد عرفت أن لفظ «الغريب» كان يُطلق قديمًا على الحاج، وهو ما يتكرر في روايات الرواة بقولهم: «حدثني الغريب» أي الحاج. دفعتني هذه الملاحظة إلى سؤال الراوي التاريخي سليم السناني، الذي رافقني ميدانيًا إلى الموقع، وقدم رواية شفوية موثوقة عن سبب التسمية. وأوضح أنه قبل أكثر من مئتي عام، قدمت مجموعة من الحجاج يزيد عددهم على عشرة، فاستضافهم سلمان بن لويفي المرواني من سكان قرية المقرح التابعة لمحافظة أملج، الواقعة على طريق الحجاج وقريبة من إحدى محطاته. أكرم المضيف ضيوفه، وكان بينهم حاج مريض أصيب بوعكة صحية أثناء الرحلة، فتولى علاجه وجلب له طبيبًا شعبيًا. وبسبب طول فترة العلاج، بقي الحاج في القرية، بينما واصل بقية الحجاج طريقهم على أن يلحق بهم بعد شفائه. وبعد أن منّ الله عليه بالصحة، اقترح عليه المضيف البقاء حتى موسم الحج التالي، فوافق. خلال إقامته، منحه سلمان المرواني أرضًا زراعية بجوار بئر العمارة، فقام الحاج بزراعتها، وغرس النخيل وسقايتها من البئر الذي كان ماؤه قريبًا من سطح الأرض. وبعد عام، وعند موسم الحج، حج الرجل ثم عاد إلى القرية، حيث أصرّ المضيف على أن تبقى الأرض له، رغم رغبته في تركها، فتركها له وذهب. تحولت هذه القصة إلى شاهد تاريخي على الكرم، وسُميت المزرعة بـ«مزرعة الغريب» تخليدًا للحاج، وإبرازًا لكرم المضيف الذي احتضن الحجاج، وعالج مريضهم، واستضاف أحدهم عامًا كاملًا. وقد أكدت مصادر لاحقة من أحفاد الأسرة، أن الرواية متوارثة وموثقة شفهيًا منذ أكثر من ستين عامًا. وتجسد هذه القصة جانبًا من تاريخ الكرم في محافظة أملج، الذي ارتبط بخدمة الحجاج وإكرامهم عبر القرون، وهو امتداد لما تشهده المملكة اليوم من رعاية واهتمام بضيوف الرحمن، حيث استمر هذا الإرث حتى العصر الحديث، في ظل عناية القيادة التي ارتبط اسمها بلقب «خادم الحرمين الشريفين». وتبقى هذه الحكاية مثالًا حيًا على عمق القيم الإنسانية في المجتمع السعودي، حيث يتوارث الأبناء هذا الكرم جيلاً بعد جيل، لتظل قصص الإحسان شاهدة على تاريخ لا يزول.
إكرام الحجاج ورعايتهم منذ القدم
