محمد العمري
في ظل كثرة المواقف التي تقع داخل دائرة الانضباطية، وتناقض أو غرابة وبطء مواكبة القرارات الصادرة تجاهها؛ تجعل من الضروري أن نسأل.. هل الاتحاد السعودي لكرة القدم، ورابطة دوري المحترفين اللذان يديران أحد أكثر بيئات اللعبة تحولاً في العالم، يديرانه بلوائح وأنظمة انضباطية لا تواكب هذا التحول؟ وهل تدار اللعبة في 2026 بكل تحولاتها، التي وضعتنا تحت دائرة الضوء بمنطق 1986؟ حين أُطلق المشروع الكروي بنجومه وتحولاته، لم يكن الأمر مجرد صفقات، ولكنه كان تحولاً جوهرياً في طبيعة البيئة التنافسية بأكملها؛ نجوم يحملون تجارب في أعرق الدوريات الأوروبية، معهم وكلاء محترفون يعرفون حقوق موكليهم بالضبط في المقابل، لوائح انضباطية تعريفاتها مطاطة، ومساراتها الإجرائية ضبابية، ومعاييرها تتفاوت من حالة إلى أخرى. المفارقة على سبيل المثال، أن الدوري أدخل تقنية الـVAR كمعيار للتحكيم الحديث، لكن اللوائح الانضباطية لم تستوعب بعد المنطق الجديد، الذي أحدثته؛ فتقنية الفيديو لا توثّق فقط اللحظات؛ بل تُثبت النية، وتكشف التسلسل الزمني، وهذا يستوجب منظومة انضباطية مختلفة في تعريف المخالفة وتصنيف درجاتها، كما أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت ميداناً للنزاعات العلنية؛ فهل تغطيها اللوائح الحالية؟ الإجابة في معظمها لا، أو بغموض مُقلق. المشكلة الجوهرية لا تكمن في حادثة بعينها، أو قرار بعينه. المشكلة في المراجعة الدورية للوائح؛ فالاتحادات الكبرى كالإنجليزي والإسباني وحتى الفرنسي تعقد جلسات سنوية أو شبه سنوية؛ لتقييم الإطار التنظيمي، ومراجعة حالات الموسم الماضي، واستخلاص الدروس، وتحديث النصوص، وذلك الأمر ليس ترفاً تنظيمياً؛ بل هو أداة ضمان جودة لأي منظومة حوكمة جادة، وفي سياق دورينا، يجب أن يكون هذا المطلب أكثر إلحاحاً؛ لأن حجم التغيير في عامين يعادل ما يمر به دوري ناضج في عقد كامل. المطلوب ليس إعادة اختراع العجلة، بل خطوات منهجية واضحة وثابتة لمراجعة اللوائح، ودمج صريح للتكنولوجيا في النص القانوني، وتأطير الشفافية في القرارات الانضباطية؛ فاللوائح الواضحة تُقلل النزاعات؛ لأن الجميع يعرف مسبقاً ما المسموح وما العقوبة. حين يتأخر الاتحاد في مراجعة لوائحه لا يبقى محايداً، بل يُفرز فراغاً تملؤه التفسيرات المتضاربة، واللعبة لا تنتظر، والكاميرات لا تُغمض عيونها، والمنظومة التي لا تعرف متى آخر مرة راجعت نفسها تُدار بالاجتهاد لا بالنظام.
