قبل سنوات، رافقت أخي في رحلة بحثه عن شقة جديدة يمتلكها، وخلال الجولة رافقنا مندوب مبيعات شاب متحمس، أخذ يشرح لنا مزايا المشروع السكني بإسهاب. لكن أكثر ما أدهشني هو عندما أشار الشاب بفخر إلى أن من أهم ميزات الشقة وجود”سيشوار” في الحمام، وأخذ يكرر ذلك أثناء حديثه، حتى ظننت أن هناك غرفة مخصصة للتزيين داخل الوحدة ! وعندما دخلنا الشقة .. اكتشفت أنه مجرد مجفف شعر معلق في الجدار من النوع المتوفر في أغلب الفنادق. حينها شعرت بالشفقة على هذا الشاب ومن دربه؛ إذ كان يُسوّق لهذا الجهاز البسيط على أنه من مظاهر الرفاهية في تلك المرحلة الزمنية. أما قبل أيام، فقد رافقت زميلًا آخر لشراء شقة، ولاحظت تحولًا واضحًا في طريقة العرض؛ إذ أصبح مندوب المبيعات يتحدث بثقة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي في فتح الأبواب، وتشغيل الإضاءة وفتح وإغلاق الستائر، وهي أمور أصبحت اليوم رمزًا للراحة والتباهي. إلا أنني أزعم أن هذه الميزات- رغم أهميتها- لم تعد كافية. فهناك حاجات أساسية تستوجب إدماج الذكاء الاصطناعي بجدية’، ضمن مواصفات البناء الحضري؛ باعتباره ركيزة من ركائز جودة الحياة، وليس مجرد رفاهية شكلية. تشمل هذه التطبيقات الذكية أنظمة إدارة الطاقة، التي تُقلل الهدر، وتُحسّن كفاءة الاستهلاك، وأنظمة أمن ذكية تعتمد على تحليل السلوك والتعرف على الوجوه، ومراقبة جودة الهواء الداخلية، وأنظمة صيانة تنبؤية استباقية تكتشف الأعطال قبل وقوعها. كما يُسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين إدارة المياه والنفايات، وخدمة كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة داخل البيوت الذكية. كل ذلك يعكس تحولًا كبيرًا في مفهوم الرفاهية. لم يعد الأمر مقتصرًا على مجفف شعر في الحمام؛ بل أصبح مرتبطًا بتقنيات ذكية تلامس جوهر الحياة اليومية وتدعم الصحة والأمان والاستدامة. ولهذا من الضروري أن تدرج هذه التقنيات ضمن المواصفات الإلزامية للبناء؛ لتصبح جزءًا أصيلًا من نهضة عمرانية سعودية واعية، تواكب المستقبل وتخدم الإنسان أولًا.
من السيشوار إلى المنازل الذكية
