شهدت الساحة الإعلامية الرياضية مؤخرًا موجة من المقابلات مع شخصيات متعددة، من بينها حوار عبدالله المديفر مع وليد الفراج، وكذلك لقاءات بتال القوس مع عدد من الأسماء، كان آخرها رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم السابق عادل عزت.
ظاهريًا، تبدو هذه الحوارات فرصة ثمينة لإثراء النقاش الرياضي، وفتح ملفات عميقة تتجاوز السرد السطحي، غير أن المتابع المتفحص يلمس فجوة مقلقة بين ثقل الضيوف وبين العائد المعرفي الفعلي من هذه اللقاءات .
المشكلة لا تبدو في الأسماء بقدر ما تكمن في فلسفة الإعداد، والهدف التحريري؛ فكثير من الحوارات تنزلق إلى الطابع التوثيقي أو الاستذكاري، بينما ينتظر الجمهور شيئًا مختلفًا: أسئلة حادة، قراءة نقدية، ومكاشفات حقيقية تمس جوهر القرارات والملفات الحساسة ، فحين يغيب السؤال العميق ويتقدم الطرح الآمن أو المجاملة المهنية، تتحول الحلقة إلى منتج استهلاكي فاقد للأثر، مهما بلغت قيمة الضيف .
إن إعادة تدوير الأسماء باتت سمة متكررة تُضعف عنصر جودة مخرجات هذه اللقاءات، فبدل توسيع دائرة الضيوف وتنويع المدارس الفكرية والزوايا التحليلية، يجد المشاهد نفسه أمام وجوه مألوفة تكرر سرديات استُهلكت بمرور الزمن، وهذه الدائرة المغلقة لا تنتج معرفة جديدة بقدر ما تعيد إنتاج الجدل ذاته، وهو ما يخلق حالة من التشبع، وربما الملل لدى الجمهور .
ولا يمكن إغفال عامل أكثر حساسية يتمثل في حضور الانطباع (سواء كان دقيقًا أم لا ) بأن بعض الحوارات محكومة بسقف غير معلن، أو متأثرة بدرجات متفاوتة من الميول والتعصب داخل فرق الإعداد، وهنا لا تكمن الإشكالية في النوايا بقدر ما تكمن في أثرها الإدراكي؛ فثقة الجمهور في عصر المنصات المفتوحة تُبنى على الإحساس بالشفافية قبل أي شيء آخر.
المفارقة أن مجالات أخرى (سياسية أو اقتصادية أو ثقافية ) ما زالت قادرة على إنتاج مقابلات تصنع أثرًا واضحًا، وتقدم قيمة تحليلية حقيقية، بينما يبدو الإعلام الرياضي في كثير من الأحيان أقل جرأة وأضعف عمقًا، رغم أن الرياضة اليوم تعيش تحولات كبرى، تستحق نقاشًا بمستوى موازٍ .
الخلاصة أن استضافة الشخصيات الرياضية لا تزال قادرة على إنتاج قيمة نوعية، لكن ذلك مرهون بثلاثة شروط واضحة: إعداد مهني عميق، وتنويع حقيقي في الضيوف، وشجاعة تحريرية منضبطة، ودون هذه العناصر، ستظل كثير من اللقاءات تدور في دائرة الصدى الإعلامي، بينما ينتظر الجمهور محتوى يرتقي بحجم اللحظة التي تعيشها الرياضة اليوم.
@MohammedAAmri
حوارات بلا أثر. لماذا يخفق الإعلام الرياضي في صناعة القيمة؟
