يوم التأسيس

اعتزاز بالجذور العريقة والتلاحم الوثيق.. 299 عاماً من المجد

البلاد (جدة)
التاريخ ليس مجرد سرد لأحداث مضت، بل هو مستودع غني بالخبرات الإنسانية، وكتاب مفتوح لحياة الأمم والشعوب، يوثق أحداثها وسير أبطالها، ويرصد تحولات مراحلها. وبقدر ما تتسم هذه التجارب بالثراء والتحديات، تكمن مفاتيح نموها وتطورها، خصوصاً ما يتعلق بالدولة، والحفاظ على الهوية الوطنية. وعندما يُقرأ التاريخ بعين الفهم والتأمل، يصبح مصدر إلهام للأجيال للاعتزاز بالانتماء، والولاء للوطن، والإخلاص في تعظيم مكانته وشأنه.

 

والتاريخ العريق للمملكة العربية السعودية يحمل هذه القيمة الوطنية بشكل بارز،؛ حيث تجلت بداية الهوية الوطنية منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى قبل 300 عام على يد الإمام محمد بن سعود – رحمه الله. لقد أدرك الإمام بعين بصيرته عمق الدروس التاريخية، ووعي الواقع المتأزم نتيجة صراعات ودويلات المدن في الجزيرة العربية آنذاك. ومن خلال التقاء فكره وعزمه، شرع في توحيد الأرض والإنسان، وأسس الدولة السعودية وعاصمتها الدرعية، لتشرق شمس الاستقرار والبناء، وتعمّ الأمن والنماء بين مواطنيها.
وأمر الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله – بتحديد يوم 22 فبراير من كل عام؛ ليكون يوم التأسيس، وإجازة رسمية، تأكيدًا على النظرة التاريخية العميقة للملك للدولة السعودية، واهتمامه بتفاصيل أحداثها وشخوصها وأمجادها. ويعكس هذا الإعلان تعزيز المملكة ارتباطها بجذورها التاريخية وإرثها الحضاري، وربط مواطنيها الوثيق بقادتها على مدى ثلاثة قرون.
واليوم، وفي ذكرى يوم التأسيس، يحتفي الوطن بهذه المناسبة العزيزة، ويشهد حاضرًا زاهرًا، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله – وصناعة مستقبل واعد برؤية طموحة، وفكر متقدم، وروح إنجاز غير مسبوقة، تتردد أصداؤها على المستوى العالمي.

حقائق التاريخ ومرحلة التأسيس

تشير الوثائق التاريخية إلى أن الدولة السعودية الأولى تأسست منتصف عام 1139هـ (1727م) واستمرت حتى عام 1233هـ (1818م)، وعاصمتها الدرعية، ودستورها القرآن الكريم، وسنة النبي- صلى الله عليه وسلم- مؤسسين قاعدة الوحدة والأمن في الجزيرة العربية بعد قرون من التشتت والفرقة. ورغم محاولات القضاء عليها، استطاع الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود عام 1240هـ (1824م) استعادتها، وتأسيس الدولة السعودية الثانية، التي استمرت حتى عام 1309هـ (1891م). وبعد مرور عشر سنوات، قام الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود عام 1319هـ (1902م) بتأسيس الدولة السعودية الثالثة، باسم المملكة العربية السعودية، ليواصل أبناؤه الملوك تعزيز الوحدة والبناء، وتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار المستدام. ومن هنا، يمثل يوم التأسيس أحد مفاخر الوطن؛ إذ امتدت الدولة السعودية عبر أطوارها الثلاثة نحو 299 عامًا، بدءًا بعهد الإمام محمد بن سعود، الذي حكم لمدة أربعين عامًا، ليؤسس الأسس الراسخة التي أكملها أبناؤه وأحفاده، محققين الأمن والازدهار الذي تعيشه المملكة اليوم.

 

دولة الاستقرار ووحدة المجتمع
تولى الإمام محمد بن سعود الحكم في ظروف دقيقة للغاية، حيث كانت الدرعية تعاني من الفرقة والشتات، ولكنه بفضل حكمته وحنكته السياسية، تمكن من توحيدها، وتأسيس الدولة السعودية الأولى. وقد استند في هذا الإنجاز إلى إرث عريق من الاستقرار، فقد أسس مانع المريدي، الجد الثاني عشر للملك عبدالعزيز– طيب الله ثراه- الدرعية قبل أكثر من 600 عام، ما شكّل إرثًا تاريخيًا عظيمًا لمواصلة بناء الدولة. وعمل الإمام محمد بن سعود على نشر الأمن وتنظيم الموارد، وبث الاستقرار في المجتمع، بعد قرون من التشرذم والدويلات المستقلة، حيث كانت غالبية المناطق العربية- آنذاك- تحت سيطرة “دويلات المدن”، ما أدى إلى الصراعات وعدم الاستقرار. وقد أسس الإمام مفهومًا جديدًا للدولة الموحدة، وضمن استقرارها السياسي والاجتماعي، وازدهرت الزراعة والتجارة والصناعات والحرف اليدوية، وانتشر العلم والتعليم، مع حلقات العلم في المساجد، بما يعكس إدراكه لأهمية الأمن والوحدة.

 

العرضة السعودية وموروث النصر
خلال عام 1178هـ (1765م)، وفي مواجهة هجوم عريعر بن دجين، ودهام بن دواس على الدرعية، أمر الأمير عبدالعزيز بن محمد بن سعود بإقامة العرضة السعودية خارج أسوار المدينة، لتعزيز معنويات الفرسان، ما قلب موازين القتال، وجعل النصر حليفهم. ومع توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز عام 1351هـ (1932م)، ظلّت العرضة جزءًا من التراث الوطني العريق.

الدرعية عاصمة التأسيس
تقع الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى في إقليم اليمامة بوسط الجزيرة العربية، وتمتد على مساحة تزيد على 1000 كم من الشمال إلى الجنوب، وعرض 500 كم، وتتوسطها سلسلة جبال طويق الشهيرة. أسست عشيرة المردة من بني حنيفة المدينة، وأطلقوا عليها اسم “الدرعية”، نسبة إلى العشيرة، بعد انتقالهم من شرق الجزيرة العربية؛ بحثًا عن الأمن والاستقرار. وقد أسس مانع بن ربيعة المريدي الدرعية الثانية عام 850هـ (1446م)، بعد رحلة طويلة عبر رمال الدهناء، جاعلًا منها مركزًا للسلطة والحكم، ومهدًا لأعظم دولة قامت في الجزيرة العربية، بعد دولة النبوة والخلافة الراشدة.

 

سمات الإمام محمد بن سعود
كان الإمام محمد بن سعود رجلًا ذا رؤية ثاقبة، درس أوضاع إماراته وما حولها، وبدأ منذ توليه الحكم في التخطيط لمسار جديد في تاريخ المنطقة يقوم على الوحدة والتعليم ونشر الثقافة، وتعزيز التواصل بين أفراد المجتمع، والحفاظ على الأمن. وكان له أربعة أبناء: عبدالعزيز، وعبدالله، وسعود، وفيصل. وقد عُرف بحبه للتأمل والخلوة، ما أظهر شخصيته المستنيرة ورؤيته المستقبلية. وكان كثير الخيرات والعبادة، مع إرث عائلي أصيل من الحكم والريادة، حيث كان والده وجده أميرين على إمارة الدرعية. توفي الإمام محمد بن سعود عام 1179هـ (1765م)، بعد أربعين عامًا من قيادة الدولة الأولى.

 

مجتمع الدرعية وأهمية العلم

استقطبت الدرعية خلال الدولة السعودية الأولى التجار وطلاب العلم، وتوسعت رقعة سكانها، لتصبح مركزًا تعليميًا وتجاريًا، وموئلًا للباحثين عن الرزق. وكان أئمة الدولة يتحلون بصفات العرب الأصيلة: الكرم، والشجاعة، والوفاء، والحلم، وكان مجلس الإمام مفتوحًا لاستقبال المواطنين يوميًا. وقد دعموا التعليم والعلم الشرعي، وبرز الشيخ محمد بن عبدالوهاب، بدعم الإمام محمد بن سعود، في نشر الدعوة الإصلاحية والتعليم الشرعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *