مقالات الكتاب

من عوائق القراءة (4)

ليست مشكلة البعد عن القراءة مقصورة على القرّاء أنفسهم، بل تتجاوزهم وصولًا إلى الكتَّاب؛ بسبب تعاليهم على القراء ببعض الكتابات ذات المفردات الصعبة، التي تحتاج إلى قاموس من أجل فكّ طلاسمها.
ويهدف بعض هؤلاء الكتَّاب إلى لفت أنظار الناس إلى قدراتهم الأدبية بانتقاء الكلمات غير الدارجة في كتبهم بشكل مكثَّف؛ حتى لا تكاد تخلو جملة من كلمة، أو عدة كلمات صعبة.
صحيح أن هذه الكتب يخرج منها بعضهم بحصيلة لغوية، أو مفردات أدبية راقية ومميزة؛ لكنها تتسبّب للبعض الآخر مع الوقت في حالة من النفور من القراءة، حين لا يستطيعون القراءة بسلاسة وبدون معوقات، وربما وصل بعض القراء إلى نتيجة مفادها أن القراءة ليست لهم، بل هي فعل نُخبويّ، وهي بحاجة إلى جهد استثنائي، بدل أن تكون محطة استراحة واستزادة معرفية.
يتسبّب هذا النمط من الكتابة في درجة من إقصاء القراء وإبعادهم عن القراءة؛ كونه يخلق جدارًا من الغموض المصطنع يحوّل المعرفة إلى امتياز طبقي، وقد يكون قناعًا لإخفاء فقر المحتوى؛ فكلما كان الأسلوب أكثر غموضًا، صعُب على القارئ الحكم على النص، وقد يربكه فلا يعي هل الغموض كان بسبب مضمون الكتاب، أم بسبب عدم فهمه له، في حين أن قمة البراعة في التعبير هي الوضوح فيه وليس الغموض، وهو؛ أي: الوضوح دليل من جهة أخرى على استيعاب الكاتب لما يكتب تمامًا؛ كما أشار آينشتاين إلى ذلك حين قال: (إذا لم تستطع أن تشرح أمرًا ببساطة، فأنت لم تفهمه جيدًا بما يكفي)، أو كما عبر عنه آخر بقوله: (ما لم تستطع شرحه لجَدَّتِك، فأنت لم تفهمه بعد)، أو ما قاله ثالث: (ما لم تستطع شرحه لطفل في السادسة من عمره، فأنت لم تفهمه).
وعليه فإن الكاتب المتمكِّن هو من يحوّل المعاني العميقة إلى سهلة الفهم، وليس تعقيد ما هو سهل؛ ولذلك فإن أعظم الكتّاب استطاعوا الجمع ما بين العمق والوضوح مع عدم الإخلال بجمالية النص؛ وهذا هو سر الفرق بين الغموض المتكلَّف والغموض الخلّاق، وما يتسبب به الأول من نفور القراء، وما يترتب على الثاني من اجتذابهم.
وختامًا، فلا ينبغي أن ينفي حديثنا هنا ضرورة وجود بعض النصوص النخبوية أو المرتبطة ببعض الموضوعات الفلسفية أو الفكرية العميقة والمتخصصة، أو ذات المدلولات الرمزية، منها كما في الشعر، حين يستطيع الكاتب استخدام الغموض بوصفه أداة جمالية، دون أن يتعمّد أن يبدو أذكى من القارئ، أو أن يستعرض قدراته الأدبية؛ فبعض هذه النصوص العميقة والغامضة تجد لها من يتلذّذ بها، ويبحث عنها، ويرى فيها عمقًا لا عيبًا.
*القراءة ليست ترفًا؛ إنها حياة إضافية نعيشها بعمق لا يسمح به الواقع. واسيني الأعرج.

yousefalhasan@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *